القائمة الرئيسية

الصفحات

ملخّصات الفلسفة | المجزوءة الأولى : الوضع البشري

ملخّصات الفلسفة | المجزوءة الأولى : الوضع البشري


ملخّصات الفلسفة | المجزوءة الأولى : الوضع البشري

المجزوءة الأولى : الوضع البشري

للسنة الثانية من سلك الباكالوريا / المسالك العلمية والتقنية؛ مسلكا الآداب والعلوم الإنسانية

تقديم عام

قد تجتاح الواحد منا، في لحظة ما من حياته، رغبة كتابة سيرته الذاتية، ليحكي بتناسق وترتيب زمانيين ومنطقيين، سلسلة الوقائع التي حصلت في مسار حياته. وقد يلجأ يوميا إلى تدوين هذه الأحداث على شكل مذكرات. ولكل طريقته في السرد، بأسلوبه الخاص وباللغة التي يفضلها؛ لكن هناك دوما نقط مشتركة: تجربة الوعي بما يقع للذات في هذا العالم، وأهمية حضور الغير (آباء، أصدقاء، جيران، أقارب، مدرسون...) وأهمية الزمن وتطوره، إذ الكتابة في حد ذاتها، سرد لتاريخ الشخص وتجاربه الماضية في علاقتها بالحاضر والمستقبل المأمول. لذلك، يكتشف كاتب سيرته الذاتية، كما هو الأمر بالنسبة للأستاذ "محمد عابد الجابري"، أن تجربته الذاتية في الحياة أو الوجود ليست معزولة عن الذوات والتجارب الإنسانية الأخرى؛ فأناه الفردية تنتمي إلى أنا "جماعية"، والتجربة الجماعية هي تجربة تاريخية وزمنية مشتركة. وداخل هذه التجربة المشتركة يدرك الإنسان أنه يعيش وضعا بشريا له محددات وأبعاد موضوعية مثل: الزمن، المرض، الموت، التاريخ، الشغل، الوعي... (البعد الموضوعي للوضع البشري)، إلا أنها مع ذلك لا تجعل منه موضوعا أو شيئا كباقي أشياء العالم التي تخضع خضوعا سلبيا لحتميات وقوانين الطبيعة. فهو كائن يقاوم، ويعدل، ويغير، يضع لنفسه مشروعا يسعى إلى تحقيقه، وفق أهداف نابعة من العقل، والوعي والإرادة، إنه كائن وهو أيضا شخص عاقل، واع بذاته وبتاريخه وعالمه، وهو أيضا مسؤول، يحمل في ذاته كل القيم التي يرسخها في تفاعله مع الأغيار. ( البعد الذاتي للوضع البشري).


ما محددات الوضع البشري؟

هل وجود الإنسان في هذا العالم محكوم بالضرورة أم مفتوح على الحرية؟


مفهوم الشخص

تقديم المفهوم

عندما يسعى أحدنا للتعبير عما يكنه للمرء من حب وود خالصين، فإنه غالبا ما يصرح بأن مشاعره لا تأخذ بعين الاعتبار لا الجاه ولا المال، ولا حتى الصفات الجسدية أو النفسية والفكرية. إنه يتعامل معه كما هو في ذاته. وكأنه بهذا القول، يميز بين مظاهر ثانوية وصفات زائدة، وبين ما هو حقيقي وثابت وأصيل. وقد يضيف بأنه يتعامل معه بوصفه شخصا. والمفارقة أن الشخص ماهو إلا هذا الكل: جسد، وصفات نفسية وفكرية.

فمن الشخص؟

وهل الشخص هو من يتجاوز كل المظاهر الخارجية وحتى النفسية؟

ما هو هذا الثابت والجوهري الذي يشكل أساس الشخص، وأساس التعامل معه؟

أية قيمة يحملها الشخص في ذاته؟


الهوية الشخصية

إذا كان لفظ الهوية يدل على الخاصية التي بموجبها: إما تطابق الذات ذاتها فتكون هي هي رغم ما يلحقها من تغير وتحول، وإما من حيث إنها خاصية تميز الذات عن غيرها؛ فإن الهوية الشخصية تدل على وعي الشخص بذاته بشكل مستمر وغير منقطع، رغم اعترافه بما يلحقه من تغير، إذ يصرح، في لحظات عديدة، قائلا : "لقد تغيرت وتحولت".

 إن الأنا الواعية بذاتها هي التي تغيرت وهي التي تقر بذلك، كما أن رؤيتها لصورتها القديمة والتعرف عليها رغم تغير الملامح والشكل هو التعرف على ذاتها التي حافظت على وحدتها بالتعالي عن الزمان والمكان. فكيف لهذا الشخص، بما هو ذات عارفة وأنا واعية، أن يتعرف ذاته ويحافظ على وحدة الشعور بها؟

 إن هذه الأسئلة تتمحور حول إشكال إدراك الذات لهويتها الخاصة، وتطابقها لذاتها داخل وحدة الأنا. وهو إشكال تبلور بشكل فلسفي واضح ومتكامل مع الفيلسوف الإنجليزي"جون لوك" في كتابة "مقالة في الفهم البشري"، الذي اعتمد مقاربة ميتافيزيقية في تفسير الأساس أو المبدإ الذي يحافظ على وحدة الهوية الشخصية ودوامها، وهو مبدأ يحدده "ج.لوك" في الشعور الذي يكون للشخص عن أفعاله الخاصة وتجاربه الحسية. وعندما يكون هذا الشعور مصاحبا للفكر، فإنه ينتج وعيا يستمر في الزمن بفعل الذاكرة، التي هي ذاتها امتداد لهذا الوعي في الزمان والمكان.

 فإذا كان "مارسيل بروست" قد شبه الذاكرة بذلك الحبل الذي يتدلى من السماء لينقذه من اللاوجود ومن الشتات، فإن الذاكرة مع "لوك" هي الخيط الرفيع الذي يحفظ هوية الشخص من الانزلاق إلى الانشطار. وهو ما عبر عنه "ليبنتز"، في قولة يلخص فيها موقف "لوك": "من فقد ذاكرته أصبح شخصا آخر". هكذا يبقى الوعي، المحفوظ في الذاكرة، على وحدة الهوية واستمراريتها في الزمان والمكان، مما يعني أن الوحدة والاستمرارية مفهومان يعبران بقوة عن دلالة الهوية الشخصية التي أتعرف عليها في ذاتي دون ما حاجة إلى الجسد أو الغير.


ولقد شكلت أطروحة "ج.لوك" حول الهوية الشخصية، لحظة حاسمة في تناول هذا الإشكال، إذ سيعمل الفلاسفة، فيما بعد، إما على تأكيدها أو على نقدها وتفنيدها، كما هو الأمر مع "شوبنهاور" الذي انطلق في كتابه "العالم بوصفه إرادة وتمثلا"، من الجسد الذي أهمله "ج. لوك"، ليؤكد أن الشخص هو أولا جسد، وأن لكل شخص تجربة حميمية مع جسده، وسابقة على الوعي والتعقل، بل هي التي ستسمح له لاحقا باكتشاف أن ما يشكل حقيقته وماهيته، وبالتالي هويته الشخصية، هو إرادة الحياة، وليس الوعي/الذاكرة، فهذه الأخيرة قد يصيبها التلف بفعل الشيخوخة أو المرض، لكن ما يظل ثابتا وجوهريا هو إرادة الحياة. ولا تعني الإرادة عند "شوبنهاور" تلك القدرة على الفعل والاختيار، وإنما هي نواة الوجود الإنساني المتمثلة في رغباته. إن إرادة الحياة إذن هي تلك القوة العمياء واللاشعورية للحياة، والتي تجعل الإنسان في بحث دائم عن إشباع رغباته.


تركيب

يمتلك الشخص هوية شخصية تجعل منه ذاتا تعي ذاتها باستمرار داخل وحدة، كما تعي تميزها عن الأغيار؛ وقد يكون أساس ومبدأ هذه الهوية الشخصية إما الوعي أو الذاكرة، وإما إرادة الحياة التي تتجلى في الرغبات. وتشكل المقاربة الميتافيزيقية التي تناولت إشكال الهوية الشخصية أساس كل مقاربة يمكن أن تعالج مفهوم الشخص، إذ إن التساؤل حول وحدة الأنا واستمراريتها عبر هويتها الشخصية هو الذي يجعلنا نعتبر الشخص هو هو دائما وبالتالي مسؤولاً عن أفعاله وتصرفاته.



الشخص بين الضرورة والحرية

إن الشخص يعيش داخل مجتمع له سلطة، مجتمع ذي منظومة من القيم والعلاقات التي تفرض نفسها على كل الأشخاص. وقد تقوم هذه المنظومة بتحديد الأدوار، كما قد تجعل الشخص فريسة الاستلاب والتشيؤ. فهل معنى ذلك أنه لا مكان للحرية في حياة الشخص؟


لقد ركزت الفلسفات المعاصرة (الوجودية والشخصانية بالخصوص) على وضع الشخص وحريته مع الأخذ بعين الاعتبار ما يواجه هذه الحرية من عوائق وضرورات. إن حرية الشخص، حسب "مونيي" ("الشخصانية")، ليست ماهية مجردة ومطلقة، وإنما هي خاصية وقيمة تكشف عن قدرة الإنسان على مواجهة وضعه الوجودي المعقد والمركب. إن الشخص موجود في ذاته وموجود في العالم وأمام قيم المجتمع، وهو وضع يحتم على الأنا أن تنخرط بشكل واع في تعديل ومواجهة هذا الوضع المركب عبر الشغل الذي يجعل الشخص يتحرر تدريجيا من الإكراهات داخل ما يواجهه من وضعيات ومواقف. إنها لحظة أساسية في حياة الشخص الذي ينتقل من وضع الكائن إلى وضع الشخص (كما يقول محمد عزيز الحبابي)، ومن الحرية إلى التحرر، إلا أن هذا التحرر الذي يمارسه الشخص ويتمظهر في أنشطته، يظل دوما مشروطا بوضعه المركب، أي إن حرية الشخص هي دوما حرية بشروط.


وقد اعتمد "سارتر"، في كتابه "نقد العقل الجدلي"، على مفهوم المشروع ليفسر به فعل التحول من وضع الضرورة إلى وضع التحرر، أي التحرر من وضعية محددة قبليا إلى التعالي عليها عبر الفعل والممارسة أو من الوجود في ذاته إلى الوجود من أجل ذاته. إن عمل الشخص أو ممارسة هي التي تسمح له بتلك الوثبة والحركة نحو عالم الممكنات، وثبة يعمل من خلالها على تجاوز ذاته والانفتاح على المستقبل ("الشخص يحيا في المستقبل" كما يقول الحبابي: من الكائن إلى الشخص)، بواسطة الوعي والمسؤولية والالتزام. إن هذه الوثبة والخروج والإقلاع هي التجليات للحرية والاختيار.

وينتج عما سبق، أن لا حرية إلا داخل الضرورة، ولا وجود لضرورة عمياء ومطلقة يمكن أن تحول الشخص إلى مجرد شيء. ففي وضعية ما، يمكن أن أختار بين أن أكون شخصا فاشلا، كما يمكن أن  أختار بواسطة الشغل أن أحول ظروفي الصعبة إلى مجال لتحقيق ذاتي. وقد يحد المرض من قدراتي ويشل حركتي، فأجعل منه إما مبررا لسلبيتي، وإما حافزا لبروز مواهب جديدة لم يكن لتتبدى لي فيما سبق. "إن الصخرة، كما يقول سارتر، التي تبدي عن مقاومة شديدة حين أريد أن أنقلها، ستكون، على العكس من ذلك، مساعدة ثمينة لي إذا أردت الصعود عليها لتأمل المنظر". (من كتاب الوجود والعدم، ترجمة عبد الرحمان بدوي).


تركيب

إن الشخص مشروع حر ومفتوح على إمكانات لا نهائية. إنه ذات تجاوز البنيات التي تسعى إلى الهيمنة عليه: بنيات اجتماعية ونفسية وثقافية...، وذلك عبر الشغل الذي يجعله يتعالى على كل عمليات التشييئ والاستلاب، ليحقق وجوده بوصفه شخصاً عاقلاً ومريدا ومسؤولا عن أفعاله.

يكشف إشكال الشخص بين الضرورة والحرية عن الوضع المركب والمعقد للوضع البشري، كما يكشف عن تميز الشخص عن باقي الكائنات الخاضعة بشكل مطلق لحتمية الطبيعة وإكراهاتها، مما يعطي للشخص وضعا متميزا من جهة، ومن جهة ثانية، قيمة خاصة. فأية قيمة يحملها الشخص في ذاته؟ وكيف تجب معاملته؟



قيمة الشخص

يعتبر الفيلسوف الألماني "إمانويل كانط" أهم فيلسوف وضع مفهوم الشخص داخل مقاربة أخلاقية، معتبرا إياه ذاتا عاقلة وواعية وحاملة لكل القيم التي يجب احترامها، ومعبرا عن ذلك داخل أمر أخلاقي مطلق: "تصرف على نحو تعامل معه الإنسانية في شخصك، كما في شخص غيرك، كغاية دائما وأبدا، وليس مجرد وسيلة البتة". إنه أمر أخلاقي مطلق لأنه يقصي الميولات والأهواء والمصالح في التعامل مع الشخص، كما أنه أمر مطلق لأنه صالح لكل الأشخاص ولكل الأزمنة والأمكنة. وهو أمر صيغ داخل تضاد بين الغاية والوسيلة (مع استعمال برهان الخلف الذي بواسطته يبرز "كانط" ما يترتب عن اعتبار الشخص وسيلة من نتائج خاطئة وخطيرة): إما أن نخضع للأهواء ومنطق المصلحة، بدل الخضوع الحر للواجب الأخلاقي، فنجعل من الشخص مجرد وسيلة لتحقيق أهدافنا، لنحوله إلى مجرد شيء، وبضاعة تقوم بسعر؛ وإما أن نعامل الشخص، بوصفه كائنا عاقلا له إرادة وكرامة وقيمة مطلقة (غير مشروطة بالميول)، فنعتبره غاية في حد ذاته ويستمد قيمته من ذاته ومن كونه شخصا.


إلا أن الشخص كما حددته أطروحة "كانط"، في كتاب: "أسس ميتافيزيقا الأخلاق"، رغم قيمتها الأخلاقية، يظل شخصا سجين تصور مجرد، تعبر عنه تلك الأوامر القطعية المطلقة التي صاغها "كانط"؛ وهي أوامر لم تأخذ بعين الاعتبار الوضعيات الواقعية التي يحياها الشخص، ولا تلك الإحراجات الوجودية الناتجة عن تناقض الواجبات التي يواجهها الشخص داخل علاقاته مع الأغيار. فالشخص لا يعيش معزولا، وإنما مفروض عليه العيش داخل جماعة، وهو في ذلك مطالب، حسب "جورج غوسدورف" في كتابه "مقالة في الوجود الأخلاقي"، بأن يحقق ذاك الانتقال من الاستقلالية الشخصية والفردية إلى ممارسة الأخلاق الملموسة التي تجسدها كل مظاهر التضامن والمشاركة مع الجماعة، وإن هذه المشاركة الجماعية هي التي يمكن للشخص عبرها أن يحقق ذاته بوصفه شخصا أخلاقيا. فليست حقيقة الشخص في تجرده وعزلته، وإنما في مشاركته وانفتاحه على الغير. "إن الغني الحقيقي، كما يقول "غوسدروف"، لا يوجد في التحيز والتملك المنغلق، كما لو كان بإزاء كنز خفي، ولكن بالأحرى في وجود يكتمل ويتلقى، بقدر ما يعطي ويمنح."


تركيب

إن الشخص، بوصفه ذاتا واعية وعاقلة، هو شخص يشكل مصدر كل القيم الأخلاقية، وهو بذلك يستحق كل الاحترام والتقدير، وهو ما يتطلب دوما، حفظا لكرامته، أن نعامله دائما وأبدا باعتباره غاية في ذاته، وما عداه وسيلة. غير أن هذا الشخص الأخلاقي لا يحقق ذاته بالعزلة والانغلاق، بل عليه الانخراط في جماعته ومشاركتها في تجسيد القيم الأخلاقية العليا. إنّ عليه أن يمنح بقدر ما يأخذ، وأن ينفتح على الغير.


خلاصة عامة

يكشف الاشتغال الفلسفي على مفهوم الشخص صعوبة إعطاء تعريف ماهوي للمفهوم، وذلك نظرا للبس المفهوم وتعدد أشكال مقاربته. ومع ذلك، فالمفهوم يدل على كائن إنساني عاقل وواع ذي هوية شخصية، حر ومسؤول، ومتعال على الوضعيات القبلية والبنيات التي تعمل على استلابه وتشييئه، ليحفظ قيمته وحقوقه الكونية التي تميزه عن عالم الأشياء والوسائل. فهو شخص يشكل غاية الغايات، وقيمته ليست في عزلته، وإنما في انفتاحه على الغير، ومشاركته في تحقيق الأهداف الإنسانية المشتركة.


اِقرأ أيضاً : منهجيات الفلسفة | منهجية القولة : منهجية تحليل قولة فلسفية

reaction:

تعليقات