القائمة الرئيسية

الصفحات

من ألبير كامو إلى ماريا كساريس : كيف لي أن أشفى من غيابك؟


من ألبير كامو إلى ماريا كساريس : كيف لي أن أشفى من غيابك؟



من ألبير كامو إلى ماريا كساريس

الأحد 17 جويلييه 1949

ريو


كيف لي أن أشفى من غيابك؟ 

حبيبتي. 


لأكن أكثر دقة: فأنا أستيقظ صباحا على الساعة الثامنة، أكتب يومياتي، وأتأمل الفراغ. أفطر مرفقا بآخرين. بعد الظهر أتجول في المدينة وضواحيها. ثم الغذاء، نتناوله جماعيا. بعدها يأتي العشاء الفضولي. ثم النوم بين منتصف الليل، والساعة الثانية. 

اقرأ دون كيشوت، قبل النوم.


برنامجي. محاضرتي الأولى: في ريو، يوم الأربعاء 20. الخميس أسافر باتجاه الشمال، نحو مدينتي ريسيف وباهيا. (اشتريت البطاقة) محاضرتان، ثم أعود يوم الإثنين 25. خلال الأسبوع، المحاضرة الثانية في ريو. في نهاية الأسبوع، أسافر إلى الجنوب، ساو بالو وبورتو أليغري. محاضرات بعد العودة من السفر، في وسط الأسبوع الموالي. المحاضرة الثالثة في ريو. أيام قلائل قبل السفر إلى الأورغواي، لا أعرف بعدها البرنامج. ولكن، واصلي الكتابة دائما على عنواني في ريو، أفضل. وإن استطعت اكتبي لي كثيرا. أفتقر إلى الأوكسيجين هنا، في غيابك. عندما تصمتين أتيه شيئا فشيئا. 


ألم يحن الوقت بعد لأمنح قلبي حق الكلام؟ البارح في الحفل الزنجي الراقص، أحسست بأني لا أحب أي شيء. لا شيء يهمني خارجك، حقيقة. أسجل كل ما أراه، أحاول أن أعطي معنى لحياتي، وطبيعي أن أبذل جهدا للكتابة لك لأحدثك عن هذه الرحلة. أجتهد بجد وانضباط من أجل ذلك، ولكن في كل هذا الوقت لا أكف عن الارتعاش بسبب انعدام صبري المؤلم، الذي يجعلني أهرب أو أمسح بضربة كف، كل ما من حولي. لم أكن هكذا أبدا في حياتي. في أصعب اللحظات كنت اتكىء دائما على رصيدي من القوة والفضول. وأنت تعرفين جيدا كم أكره المداراة. حتى محاولات التعقل لا تنفع معي. كل شيء فوق إرادتي. أتساءل إذا لم يكن مصدر ذلك، جسديا، فالجو الثقيل والرطوبة يرهقانني. فقدت لون سمرتي التي كسبتها من تعرضي للشمس في السفينة، ولا أشعر بنفسي مدهشا. فقدت الكثير منذ لحظة نزولنا. هذا يشجعني على القيام بتسلية موجودة فيّ. في كل لحظة فراغ هناك تفصيل يشغلني عن كل شيء. يتعلق الأمر بك إذن. بنا. أفكر فيما فعلتِه، وفيما قلتِه. 

هي عقدة مؤلمة ومتجلية، آلاف الأشياء تختلط فيّ. عليّ انتظار مرور ذلك كله والعودة. وهو ما أقوم به عادة. وعلى كل، أشعر بذنب وأنا أحكي لك عن ذلك كله. ولكن لمن كنت سأحكي؟ للعالم كله؟ 

انتظر. أنتظر سكينة المساء. أنتظر ساعتنا، الأنوار المائلة، تلك الهدأة بين النهار والليل. السلام سيأتي بكل تأكيد لاحقا. لكني لا أتخيل سلاما آخر غير سلام جسدينا الموثوقين ببعض، ونظراتنا ونحن متماهين في حالة استسلام كليا. 


لا وطن لي غيرك. 

انتظريني، حبيبتي، أكتبي. 

أكتبي لي كل ما تستطيعين كتابته. 

كم من البحار تفصلني عنك، فكيف أبحث عنك، وأين أجدك؟ كيف لي أن أشفى من غيابك، من هذا الغبن الذي يخنقني؟ 

حبي الأوحد. أقبّلك. أضمك إليّ بقوة. 

الأيام هنا تمضي، لكن ببطء شديد. 

ومثلما يحدث لي في ليالي الأرق الثقيلة، لا أستطيع أن أتحمل نفسي.

أكتبي.         


المراسلات. ترجمة واسيني الأعرج. ص:  149- 148

reaction:

تعليقات