القائمة الرئيسية

الصفحات

قصص قصيرة : موت الحارسة العجوز - لويس فيردينان سيلين Louis-Ferdinand CÉLINE

قصص قصيرة : موت الحارسة العجوز - لويس فيردينان سيلين Louis-Ferdinand CÉLINE



 قصص قصيرة : موت الحارسة العجوز - لويس فيردينان سيلين Louis-Ferdinand CÉLINE

- ترجمة : عبدالقادر وساط




بالأمس، في الساعة الثامنة، ماتت حارسة البناية، السيدة بيرانج.

خلال الليل، هبت عاصفة قوية.

في الأعلى، حيث نقيم، بات المنزل يرجف ويهتز.


لقد كانت صديقة وفية، وديعة ولطيفة. ستُدفن غدا في شارع الصفصاف. والحق أنها شاخت إلى أبعد حد. لقد بلغت من الشيخوخة منتهاها. ومنذ اليوم الأول، الذي لاحظتُ فيه أنها تسعل، قلت لها: "إياك أن تتمددي! ابقي جالسة على السرير!" قلت لها ذلك من باب الاحتياط. ثم حدث ما حدث...ثم ...تبّاً لكل شيء!


أنا لست من المواظبين على هذه المهنة المقززة، التي هي مهنة الطب. سأكاتبهم لأخبرهم بموتها. بموت السيدة بيرانج. سأكاتب أولئك الذين يعرفونني. وأولئك الذين يعرفونها. أينهم يا ترى؟


ليت العاصفة تُحدث المزيد من الجلبة والدمار. ليت سطوح البيوت تنهار. ليت الربيع لا يعود أبدا. ليت منزلنا يختفي ويزول.

لقد كانت مدام بيرانج تعرف جيدا أن الأحزان كلها تأتي داخل أظرفة الرسائل...وأنا لم أعد أعرف لمن أبعث رسائل... كل أولئك الناس ذهبوا إلى أماكن بعيدة...لقد غيروا أرواحهم حتى يتمكنوا من الخيانة بشكل أفضل، حتى يستطيعوا النسيان بكيفية أفضل، حتى يصير بإمكانهم أن يتحدثوا عن أشياء أخرى....


وكلب السيدة العجوز بيرانج، كلبها الأحول، سيأتي غدا من يأخذه ويمضي به...


والحزن الذي كانت تجلبه لها الرسائل، منذ قرابة عشرين عاما، قد انتهى عنها الآن. لكنه لا يزال هنا، في رائحة الموت، في طعم الحموضة الذي لا يُصَدَّق....هو ذا الحزن قد تفَتّح... هو ذا يجوس...إنه يعرفنا...ونحن أيضا صرنا نعرفه. هو لن يغادر هذا المكان أبدا. ينبغي إطفاء النار في حجرة الحارسة. لمن سأكتب؟ لم يعد لي أحد أكتب إليه (...)

كانت الحارسة العجوز قد صارت، في الأخير، عاجزة عن الكلام. كانت تختنق وهي تمسكني من يدي. ... ثم دخلَ ساعي البريد. رآها تموت. شهقة صغيرة وانتهى كل شيء. ناس كثيرون كانوا يأتون هنا في السابق ليسألوني. لكنهم ذهبوا  الآن إلى أماكن نائية، وأوغلوا بعيدا في النسيان. مضوا يبحثون عن روح جديدة. ساعي البريد خلع قبعته.


وأنا سيكون بإمكاني أن أقول كل ما أشعر به من حقد.


هذا ما سأقوم به، إذا هم لم يعودوا. ومادمت أفضل الحكي، فسأروي حكايات تجعلهم يعودون من مختلف أنحاء العالم ليقتلوني. وسوف ينتهي عندئذ كل شيء، وسأكون في غاية السرور. 


-------------------------------------------------

( من رواية : الموت المستدان)

MORT À CRÉDIT

reaction:

تعليقات