القائمة الرئيسية

الصفحات


شرف

شرف

محمّد البوعيادي



كان الصف أمام مقاطعة الشرطة طويلا، شيوخ وأطفال في ظهور أمهاتهم وشباب غاضبون يخرجون من الصف ثم يعودون مغمغمين، يسبون، يفرغون غضبهم، يدخنون خارجا ثم يعودون ليحوموا في الردهة كنحل عصبي فقد قفيره.
في داخل مكتب تسليم الشواهد كان الشرطي البدين -الذي يشبه فرس النهر- يحك كرشه العظيم والمساحة الصلعاء في مؤخرة رأسه، ثم يرمي بنكتة للجالس في المكتب الآخر، والصف يطول، لكنه يتحرك مثل دب الكسلان، يقضي دقيقة في رشفة واحدة من كوب القهوة، ثم يقوم لفتح النافذة، فيعود مرة أخرى ليغلقها، ويفتحها...لم يسلم سوى عشر شواهد سكنى طوال فترة الصباح، ومنتصف النهار على الأبواب.
كان الناس يطلون برؤوسهم من باب المكتب حين يسمعون قهقهاته الصاخبة، فيبدون مثل أطفال صغار يتجسسون، ينهرهم بحدة: - القليل من الهواء يا "بنادم"، تراجعوا وإلا...


يردد الشباب الغاضبون في الخارج بصوت واحد: - ولد القحبة. لكنه يبقى صوتا داخليا فقط. تشتكي النساء من اقتراب موعد الغذاء وهن لم يحضرن بعد وجبه للأطفال الذين سيعودون من المدارس والأزواج الذين يعودون منهكين من العمل الشاق، يشتكي شيخ عجوز من آلام الظهر، يجيبه أحد الساخرين:
- ليس هناك كراس، في مقاطعة الشرطة يمكنك أن تجلس على القنينة فقط.
رد الجمع بضحكة متوترة، ونظرت الأمهات نحوه بعتاب فاعتذر. الكراسي منعدمة، ثم من الجيد لصحة الشعب أن لا يتعود الخمول والكسل. دخل شاب من الغاضبين حاملا بضعة أوراق، في الداخل أخبره فرس النهر أنه "غبي"، كيف نسي التزام أمه بأنه يسكن معها، صرفه بنظرة احتقار وهو يوجه الخطاب للشرطي الآخر: - انظر إلى هؤلاء البهائم الذين تنقصهم ذيول فقط.
اشتد الزحام في الخارج وتعالت الأصوات، لكن فرس النهر خرج متدحرجا تسبقه بطنه العظيمة معلنا نهاية دوام الصباح: - عودوا بعد الزوال.
خرس الجميع، أخذوا يحدقون بعيون مسكينة كطفلة على وشك البكاء، وحين كان الشرطيان في طريقهما للباب، نطق صوت متردد: - هذا ظلم.
وضع فرس النهر هاتفه في جيبه وعاد إلى الردهة: - من الحمار الذي تحدث؟


بهت الجميع، وبعضهم كاد يتبول خوفا، لكن شابا حسن المظهر، من الذين يعتقدون أنهم لا يستحقون الوقوف في الطوابير، واجه الشرطي وجها لوجه: - هذا ظلم، من الصباح وأنت تضيع الوقت والآن تخرج نصف ساعة قبل الوقت، سنشتكي.
اقترب منه الشرطي ضاحكا: - اذهب وأخبر أختك أيضا.
لكن الشاب رد بسرعة ودون تفكير: - سأخبر ابنتك نهيلة.
لم يفهم الجمع ما حصل، لكنهم رأوا فرس النهر يكشر عن أنيابه ويزمجر في هستيريا ثم يسقط فوق الشاب ويأخذ في رفسه بكل أجزاء جسمه. حضر العميد، وتم اقتياد الشاب وفرس النهر إلى مكتب الضابط، في حين تفرق الجمع وابتسامة خفيفة تعلو وجوههم، وتهامس شابان وهما يكادان يسقطان من الضحك: - هل نهيلة ابنته فعلا؟.
reaction:

تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق

إرسال تعليق