القائمة الرئيسية

الصفحات

منهجيّة تحليل نصٍّ نظريّ: تكسير البنية




منهجيّة تحليل نصٍّ نظريّ: تكسير البنية




منهجيّة تحليل مقالةٍ أدبيّة/ نصٍّ نظريّ: تكسير البنية


إنجازُ الأستاذ: عبد الرّحيم دَوْدِي

   للسنة الثانية من سلك الباكلوريا – مسلك الآداب والعلوم الإنسانية                                              


المرجع: قضايا الإطار الموسيقي الجديد للقصيدة لِعز دين إسماعيل (واحة اللّغة العربية، للسنة الثانية من سلك الباكلوريا – مسلك الآداب والعلوم الإنسانية، ص77.)



شكّل شعرُ التفعيلة إبدالاً شعرياً بالغ العمق والفرادة في منظومة الأدب العربي الحديث، إذ تمكّنت القصيدة العربية، في خضم هذا الإبدال، معانقة آفاقٍ إبداعية جديدة، نسفت خلالها القوالب الجاهزة والأبنية الشعرية النمطيّة التي كرّسها شعراءُ الإحياء، وأخلصوا لها مهجتهم، ثم جدّدها، جزئياً، شعراء الرومانسية.
لقد أمَلَى السياق التاريخي، بما حمله في أعطافه من تحولاتٍ سياسية شارخة، ونكسات اقتصادية واجتماعية، زلزلت الوجود العربي، البحثَ عن شكلٍ شعريٍّ يتساوقُ وهذه التحولات. ومن هنا، كانت الانطلاقة الفعليّة لارتياد ملكوت شعريٍّ متحرّر من قيود المواضعاتِ الإبداعية البائدة.
إنّ ما حَبلت به النكبةُ الفلسطينية من أوجاعٍ وتصدعاتٍ، ومَا كابدهُ العالم العربي من استعمار غاشم، استحث شعراء المرحلة، على التخلص من رِبْقَةِ القصيدة القديمة وصنميتها المجحفة المُكَبِّلَةِ، للبحث عن نسقٍ فنيّ متفجرٍ، يمنح الشاعر فرصة التعبير عن حرائقه ومراثيه وبوحهِ الأليم بطريقة سلسلة، طيعةِ لا إجحاف فيها.



ومن الشعراءِ الذين تجشموا مَهمة اجتراح هذا الأنموذج الشعري وكسر النظام الشعري القديم، العتيد، نلفي الشاعرين العراقيين: بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، ثم الشاعر السوري أدونيس وكذا الشاعر المصري عبد المعطي حجازي وشعراء آخرون يضيقُ السياق عن ذكرهم جميعاً.
وسمَ الكاتب نصّه بعنوان "قضايا الإطار الموسيقي الجديد للقصيدة". عنوانٌ يحيلُ على مجملِ التحولاتِ الإيقاعية التي اعترت القصيدة العربية الحديثة. فضلا عن ذلك، تومئ الفقرتانِ الأولى والأخيرة من النص إلى مراحل تجديد القصيدة الحديثة وارتباط هذه القصيدة بكوامن النفس وفيض مشاعرها.
وليسَ يخفى على ذي اطلاع نقدي، أن عز دين إسماعيل، من النقاد العرب الأوائل، الذين كان ديدنهم البحث في الآفاق المعرفية للإبداع الشعري العربي تنظيراً وتطبيقاً. وقد ألفّ في هذا المجال العديد من الكتبِ نسوق منها على سبيل المثال: "الأسس الجمالية في النقد العربي" و"التفسير النفسي للأدب" ثم "الشعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية"، وهو الكتاب الذي اقتطف منه النص الذي نحن بصدد دراسته.


نفترضُ، بناءً على ما سبق، أن النص عبارة عن مقالةٍ أدبيّة مسجورةٍ بروحٍ تنظيرية، يطمح الناقدُ من خلالها توضيحَ التحولات الإيقاعية التي حملها اتجاه تكسير البنية. فإلى أي حدٍّ، يا تُرى، يمثّل النص خصائص المقالة الأدبيّة؟ وما القضية الأدبيّة التي يطرحها؟  ثمّ ما الإطار المفاهيمي والمرجعي الذي يستند إليه؟

يتمحور النص حول قضية عامةٍ فحواها؛ رَصْدُ الكاتب مراحلَ موسيقى الشعر العربي المعاصر، واستجلاؤه خصائصَ كلّ مرحلة على حدة، متوقفاً عند أوجه الاختلاف والائتلاف بين هذه المراحل. ويمكن تفريع هذه القضية العامة إلى ثلاث قضايا فرعية. خصص الناقدُ أولها للحديث عن جماليات موسيقى البيت الشعري، الملتزم بنظام العروض الخليلي الراسخ؛ من وحدةِ وزنٍ وقافيةٍ وروي. وهنا انبرى الكاتبُ معترضاً على الآراء التي رأت في موسيقى الشعر الحديث ضرباً من الفوضى ونزوة من نزوات الترفِ الفكري، مؤكداً أن موسيقى الشعر الحديث نابعة من دواخل نفسيةٍ لا تأبه بالمواضعات الإيقاعية الخارجية. أما ثاني هذه القضايا؛ فيرتكز على جماليات موسيقى السطر الشعري، حيث وضح الكاتب أنّ السّطر الشّعري نظام إيقاعيٌّ ينتصبُ على طبيعة اللغة والتركيب. إنه؛ نظام مريحٌ يوزع فيه الشاعرُ تفعيلاته بطريقةٍ تتساوقُ مع ارتجاجاته النفسية. في حين خصّص الكاتب القضية الأخيرة، للحديث عن موسيقيّة الجملة الشعريّة، موضحاً خصائص الجملة الشعرية بما هي امتدادٌ للسطر الشعري، وتمطيط للفضاء الموسيقي ليتسع على بنية موسيقية أكبر من السطر. بمعنى آخر، فإن الجملة الشعرية، تقتاتُ على أمواجِ النفس المتلاطمة، المُزبدةِ، والهادرة. إنها، وبعبارة أدق، تستند لإملاءات الدفقة الشعورية الوجدانية.




والحاصل فإن هذه القضايا التي ناقشها الكاتب تنزعُ نحو العُموميّة والشمولِ النّظري؛ إذ لم يُوظف ترسانة نقدية مترعة بمفاهيم إجرائية تروم تحليلٍ نص بعينه، بقدر ما نحا منحى تنظيريا عاماً، الهدف منه كشف ملامح تكسير البنية في القصيدة المعاصرة. الأمر الذي يجعلنا نتيقّن، ولو جزئياً، أنّ النص، قيد التحليل، مقالةٌ أدبية نظرية.
تبعاً لذلك، فقد نهض النّص على جهاز مفاهيميٍّ صلدٍ، ينوسُ بين فضاء الموسيقى العربية القديمة وبين فضاء الموسيقى الشعرية المعاصرة، ومن المصطلحاتِ الدّالة على الجهاز المفاهيمي الأول نسوق على سبيل المثال: البيت الشعري، البنية العروضية للبيت، قافيةٌ مطردة، البيت الشعري ذي الشطرين، التزام القواعد الشكلية، الشعر التقليدي...أما المصطلحات الدالة على الجهاز المفاهيمي الثاني؛ فيمكن تحديدها فيما يلي: التجديد الشعري، السطر الشعري، الجملة الشعرية، وحدة التفعيلة، الدفقة الشعورية...


ومن هنا، نستشف أن العلاقة الرابطة بين هذين الجهازين المفاهيميين علاقةُ تنابذٍ وتنافر، إلا أنه تنابذ لا ينهض على النفي، بقدر ما ينهض على الاستيحاء العَالِمِ والمتساوق وأشراط التحولات النفسية. فضلاً عن ذلك، نلْحَظُ أنّ هذا الجهاز يوظف مصطلحاتٍ توظيفاً نظريا غايتهُ الكشف عن خصائص اتجاه شعري لا تحليلُ نماذج شعرية مخصوصة، وبالتالي فهذا مؤشر جزئي على طبيعة النص المقالية النظرية.

ولأن الكتابة المقالية تعبر عن المرجعياتِ الفكرية التي يغترفُ منها الكاتب لصوغ عوالمه الفكرية، لا نرى غضاضة، في أن نقف، ولو بشكلٍ سريعٍ، عند هذه المرجعيات، والتي يمكن تحديدها في حقول معرفية متصاقبة؛ كالتاريخ الذي وظفهُ الكاتب للكشف عن سيرورة القصيدة العربية، ثم علم النفس المتبدّي في ربط الكاتب بين المنجز الشعري والتعبير عن هموم النفس وارتجاجاتها الحادة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فقد لجأ الكاتب في بناءِ نصه إلى خطةٍ منهجية دقيقة، متوالجة الأجزاء، إذ انطلق من مقدمة عامة أطّر فيها موضوعه، بعد ذلك انتقل إلى العرض ليحلل مراحل الشعر المعاصر والمشكلات التي اعتورته؛ منتهياً، في الأخير، إلى خاتمة ركب فيها نتائج التحليل. كل هذا من خلال توسلهِ بمنهجٍ استنباطي انطلق بموجبه من قضيةٍ شاملةٍ ألا وهي أشكال التجديد في القصيدة المعاصرة، بعد ذلك طفق يُمَفْصِلُ هذه القضية العامة إلى أجزائها وعناصرها الصغرى، معتمداً في كل ذلك على نظام الفقراتِ المتناسلة في رحم لغةٍ تقريرية ذات شحنة علميّة واصفة تنأى عن التصوير والانزياح.
وفي هذه النقطة من التحليل، قمين بنا أن نشير إلى أن الكاتب قد وظف مجموعة من آليات البرهنة والتفسير، قوامها التعريف (الحاضر في الفقرة الثالثة حيث عرف الكاتب السطر الشعري) والاستنتاج (الموظف في آخر الفقرة الثالثة، والمعبر عنه بعبارة إذن فلم يكن أمام...) وآليات أخرى يضيق المقام عن ذكرها.


في الختام، نود أن نشير، بعد هذه المقاربة التحليلية، أن الكاتب كان دقيقاً في تحليله للأشكال الموسيقية في الشعر العربي المعاصر وعرضه للإبدالات الإيقاعية التي جاءت بها القصيدة الحديثة. كيف لا يكون دقيق الفكر؟! وهو الذي وضعنا أمام ملابسات خفية ينطوي عليها كل شكلٍ موسيقي، إن تحليلهُ كان تحليلاً شفيفاً يشي برؤية نقدية ثاقبة تتراءى في جهازٍ مفاهيمي مترعٍ بمصطلحات نقدية دقيقة، وأُطُرٍ مرجعية صلدة اتخذت من التاريخ وعلم النفس منطلقا لها، فضلاً عن توظيفه لنسقٍ استدلالي متلاحم وواضح المرامي واللغة. من كلّ هذا وذاك، نخلصُ، ونحنُ مطمئنون، تمام الاطمئنان، إلى أن النص عبارة عن مقالةٍ أدبية/ نظرية.






reaction:

تعليقات