پ

من رسائلِ الشّبحِ الأبيض

 
من رسائلِ الشّبحِ الأبيض


                                      الجبليّ الجريح

ملحوظة: لا يومئ النص، من بعيد أو قريب، إلى دلالة مُغرضة؛ كلّ ما فيه من قبيل الحبّ؛ الحبّ فقط، لا غير. يُقرأ هذا النص فجراً. قبل أن تغادر الطيور وكناتها. وقبل أنْ يتعرّى النهار فاضحاً الموجودات. كاتِبُه طفلٌ ماتَ يوم دَنَفه. قارِئته طفلةٌ تسكنُ امرأة لن تموت أبداً...

 

1.   حين نَتَأت الصورة [1](Before sunrise)

كــلُّ شيءٍ نبتَ، بصمتٍ مُخاتل، في تلكَ الليلةِ البعيدةِ...

طفلةً كنتِ كحلمٍ لن يكبرَ أبداً. طفلاً كنتُ كفكرةٍ بيضاءَ لن تتقصَّف إطلاقاً. صورةً من هُلامٍ ذائبٍ يأبى التبدّي كُنا، أنا وأنتِ؛ فتقاً بدئيًّا لكلّ تصريفاتِ القدرِ التّاليةِ...

 كَبرنا، بعدها، بسرعةٍ، ومات فينا الكثير...

********

2.     حين مات اللّون [2](Before sunset)

حينَ رَست الحدودُ وَفق منطقها (إملاءُ الطبيعةِ للتغيّر قدراً) اقتربتُ منّي فيكِ فلم أجد مرفأً أرسو فيه؛ مواطئ الخسارة كانت باديةً على نحو ماحقٍ.

لُذِعتُ، ثم صُفِعت، ثم صُعِقت فتشوّهَ المنبتُ البِكْرُ للعاطفة الأولى. مِتُّ يومها مرّتين. وهذا الذي بقيَ فيّ لا يشبهني قطعا.

                  ********

إلى سيدةِ الصورة الأولى؛

أكتبُ إليكِ بوجعٍ ممضٍ. أكتبُ إليك بوجدانِ الطّفل الذي كان؛ ذاك الطفل الذي قتله الغدر المباح قبل عشر سنوات. أكتب بدم الطفل الذي ظلّ يحبّك إلى يوم انطفائه. أكتب لأبلغك حُزنه المستفحل وهو رميمٌ في القبر. ولتعذريني إنْ لم أُدَثر إحساسَ الطّفل النابض باللفظِ اللائق. فأنا الوسيط بينكما؛ والوسيط، دوماً، محرّف للحقيقة.

 

3.     رسالة طفلٍ ميتٍ:

حين رأيتك؛ أقصدُ حين رأيتُ عينيك الحزينتين، رأيت طفلاً يعبّ دمهُ حُــزناً. رأيتُ طفلةً من وردٍ ونورٍ تجري وراء أمواج فراشات فوضويّة اللون. تقول للزّمن: "توقف لا أريد أن أكبر، تلك مصيدة. لا تستغفلني أيّها الزمن الدّاعر". رأيت الطفل- ذاك الذي تعرفينه جيدا- يشيرُ بإصبعه إلى بقعةٍ سوداءَ تندلع في الأفق، ويصرخُ بضراوةٍ: إلهي لِمَ خلقتني؟ ألتعذبني هكذا؟ يا ليتكَ أبقيتني في العدم؟

حينَ رأيتكِ؛ أقصدُ حين انتشرتُ في المدى المحرور لعينيكِ الحزينتين، رأيتُ طفلاً من غيم ودمعٍ يراقصُ طفلة من بياضٍ وزرقة. كانا يرقصان بانتظامٍ مُعجرٍ. حولهما سماء تعانقُ مطلقها وأرض تعتصرُ جوهرها. ذابا في نقطة تتناوس بجماليّة مرعبة. عبرَ هذا التناوس تشكّلت خطوط لا حدّ لها ولا حصر. خطوط مستقيمة. خطوط ملتوية. خطوط منحرفة. خطوط مدبّسة. خطوط رقيقة. خطوط منطفئة. خطوط متداخلة. خطوط متوازية. خطوط متصاقبة. خطوط متمايعة. جمّاع الخطوط كان نظرة وصورة...

كم أنا حزينٌ بعد موتي. هنا؛ في القبر، قبري، يتفطّر الشعور، يتشظى إلى ملايين الصور. كل صورة تقتنص وجعا. كل وجع يفغر فاه؛ تندلق المناحات تباعا؛ مناحة أفدح من الأخرى؛ أشدّ ألما. أحببتك كما لم أحب أحدا قطّ. عبدت الشّمس في عينيك. لم أبحث عن الله في سمائه النائية؛ بل بحثت عنه فيك: لم أجد حبا ولا إلهاً ولا شفقة فكفرت بالجميع. ويوم الوعيد سأصدع أمام الله بقوة: إلهي لِـمَ وقفت ما بيني وبيني؟ لـِمَ فتحت كل جروحي وأترعتها بالرصاص والملح والبارود...ألهذا خلقتني؟

أنا الطفل الذي أَحَبّك ثم شنق براءته ومات...

نهاية رسالة الطّفل الميت

4.     شمعةٌ تذوب...

 أسير بشقاء نحو نهايتي. كلّما ابتعدت عنك اشتعلت صورتك داخلي بوجوه مختلفة. أنا الشمعة التي احترقت لتضيء ظلمة العاشقين...

 

 

5.     شبحٌ يحاورُ شبحاً

ما أعرفهُ الآن أنني صرتُ آخراً غيري. وكلّما حاولتُ أن أستعيدني ابتعدتُ أكثر. عطبٌ صميميٌّ تبرعمَ في الجرحِ الأسودِ الأوّل. لا سريانُ الزّمن جعله يندملُ ولا فيضُ اللقاءاتِ التالية لهُ أبرأه. ما السبيلُ إليّ بين الصور: اجترحتُ صورةً تشبهُ الأولى واندغمتُ فيها. هل نجحَ الاجتراحُ حلاً؟ الجواب: لا أدري...


6.     المعادنُ لا تنسى أوجاعها

كثيرةٌ هي اللحظاتُ التي سألتُ نفسي فيها: لــِمَ شُدَّ الطفلُ الذبيحُ صوبَ هذه المتاهة المدلهمةِ؟ أيّ سرّ عميقٍ ذاكَ الذي جرّه، ذاتَ براءةٍ، إلى عيونِ اليمامة الجبليّة الحرّة. يأتني الجوابُ مُنَجَّماً:

المــــ...ع....ا...د...ن/

                   لا...ت...ن...س...ى/

                                أ...و...ج...ا...ع...ه...ا/

في الداخلِ المتغوّر ترقدُ لغةٌ نسينا أبجدياتها...


7.     البوحُ الأخير  (Before midnight)

 منذورٌ أنا وصورتي للعقمِ الأبديّ. لا تجعلي الوليدةَ الحرّة تشبهكِ. حينَ تكبرُ أخبريها أنّ التائه كان طفلاً عاشقاً، لكنكِ قتلته بدمٍ متبلّدٍ باردٍ؛ لأنّه- حسب رسم المخيلة المخرومة آنها- كان صغيراً. أخبريها أنّ لقاءنا نحن الثلاثة: ابنة الحظّ المتمرّد، الطفل الميت، وسليلةُ المعادن المتوجّعة؛ سيكون في السماءِ. هناك؛ سنغني أغنية عن بكاء حمامنا؛ عن مكر القدر:

في القلب أُمنية،

      يا حبيبة الأبدِ

               سيري لـــ أنشدها

                           نزفاً على جسدي...

رأيت حظّك مشنوقا على كبدي؛

                      وكان ينزف أوجاعا، فقلت له:

                                                    ...



[1] - Before sunrise: فيلم أمريكي؛ وروده في النص كان على سبيل الإيحاء الرّمزي.

[2] - Before sunset: الجزء الثاني من الفيلم المذكور أعلاه؛ وروده هنا، أيضا، على وجه الترميز.

تعليقات