پ

عن كتابِ "الــإشهارُ بتصورٍ آخر"، لـجون ماري درُو

 عن  كتابِ "الــإشهارُ بتصورٍ آخر"، لـجون ماري درُو 

عبد الرّحيم دَودي


عن  كتابِ "الــإشهارُ بتصورٍ آخر"، لـجون ماري درُو



1. تقديم

يستأثر التّواصلُ الإشهاريُّ بأهميّة بالغةٍ في عصرِ الاقتصادِ الرأسماليّ المُشرعِ على تحولاتِ السّوقِ. إنه-بهذا المعنى-أسُّ العمليّة التجاريّة؛ فبواسطتهِ يَتَأتى للشركاتِ الترويجُ لمنتجاتها، وتحقيقُ الأرباحِ المنشودةِ. وبواسطتهِ، أيضاً، يغدُو بِمُكنةِ هذه الشّركاتِ خلقُ مستهلكٍ شرهٍ، وجائعٍ، لا يني يطلبُ المزيدَ لإشباعِ رغباتٍ دائمةِ التفجُّر في داخلهِ. وبعبارة أُخرى، يتحدّد الإشهارُ-استناداً إلى تعريفاتِ القواميس-بِعَدِّهِ شكلاً من أشكالِ التّواصلِ الجماهيريِّ؛ وُكْدُه حَفزُ المُستهلكِ على شراءِ منتجٍ ما، أو اعتناقِ تصورٍ في الحياةِ.
الإشهارُ، استتباعاً، نشاطٌ مركبٌ أو عملٌ تقنيٌّ يقتضي تضافر مجهوداتِ مختصّين في مجالاتٍ معرفيّة مختلفةٍ. بيانُ ذلك؛ أن المرسلةَ الإشهاريّة ليست حيزاً غفلاً؛ بل إنها-كما سنتعرّف ذلك مع جُون ماري درُو-فضاءٌ منظمٌ من العلاماتِ والرّموز المتماهيّة، والتي تستمدُّ نُسغها من الثقافة والأعماقِ الميثولوجيّة والأنثربولوجيّة والنفسيّة والاجتماعيّة للمستهلكِ. وبهذا، فهي تستبطنُ استراتيجيّة غايُتها المُثلى إقناع المستهلكِ، طوعاً أو قسراً، بجدوى وفعاليّة المنتجِ المُسْتَهْلَكِ.
تساوقاً وهذه المُعطياتِ، ستظهرُ وكالاتٌ إشهاريَّةٌ عالميّة، تضطلع بمَهمّةِ صياغة المرسلاتِ الإشهاريّة وتدبيجها. ومن أهم هذه الوكالاتِ، التي تحتكرُ السّوق الاقتصاديّة، نلفي مجموعةَ "أومنكيوم" Omnicom، الرّائدة عالميًّا؛ حيث تبلغُ أرباحها 12.7 مليارا دولاراً سنويًّا. تحتضنُ مجموعةُ "أومنكيوم" عدّة وكالاتٍ إشهاريّة أخرى، علّ أبرزها وكالةَ TBWA التي كانت موسومة سابقاً بBDDP، وهي الوكالةُ الفرنسيّة التي تركّح على عرشِ تسييرها الخبيرُ "جون ماري درو"، صاحبُ كتابِ "الإشهارُ بتصوُّرٍ آخر". 
نرى مُجديًا، بناءً على ما ذُكِرَ،  تقديمَ مُلخصٍ شاملٍ لكتابِ "الإشهار بتصوُّرٍ آخر". ويؤوبُ اختيار تلخيصِ الكتابِ إلى سبيين رئيسينِ هُما: يرتبطُ السبب الأوّل بصاحبِ الكتابِ، فالرّجل خَبِرَ الإشهار عمليًّا ونظريًّا؛ من خلالِ إشرافهِ على الوكالة الإشهاريّة العالميّة السّالفة الذكر. أما السبب الثّاني فيرتهنُ بالقيمة العلميّة والعمليّة للكتابِ الذي يعدُّ، بحقٍّ، مرجعاً رئيساً في مجالِ دراساتِ الإشهارِ. 
وقد قسّم جون ماري درُو كتابهُ إلى قسميّن: يعرضُ القسمُ الأوّلُ طرقَ الرؤية؛ أي مجموع العلامات التجاريّة والمميّزات (Logotypes) التي تتخذها الوكالةُ الإشهاريّة أداة لاستجلابِ انتباهِ المستهلكِ عبرَ فعلِ الرؤية. بينما يعرضُ القسمُ الثّاني آليات استثمار الوكالاتِ الإشهاريّة للأنظمة الثّقافية والقيم المشتركة والمبادئ الكليّة في بناءِ وصلاتٍ إشهارية قادرةٍ على ترويضِ المستهلكِ مهمّا كانَ حروناً أو عنيداً.

2. في مضمونِ الكِتابِ

يُفردُ جُون "ماري درُو" الجزءَ الأول من القسم الأوّل للكتابِ، لرصدِ طبيعة العلاقةِ الرّابطة بين الإشهار والعلامة التّجارية من جهة. ثم العلاقة بين الشعار التّجاري والشركة من جهةٍ أُخرى. في هذا المسعى، سيتكئ ج.م. درُو على ثلاثة أعلامٍ كبارٍ في مجالِ الصّناعةِ الإشهارية، وهم على التّوالي: "ستيف جوبس" مؤسّس ورئيس شركة آبل، و"إريك ستامينغر" المسؤول الأوّل عن العلاماتِ التجاريّة في شركةِ أديداس، ثم في الأخير "كارلوس جوهسن" رئيس مجموعة نيسان.
يتبدّى مشروعُ "ستِيفُ جُوبس"، أساساً، في تغيير نظرة المُستهلكِ إلى منتجاتِ شركاتٍ آبل بشكلٍ مستمرٍ ومتساوقٍ مع تحولاتِ العصرِ. لهذا سيقوم –بمعيّة فريقه التقنيِّ-بإطلاقِ ثلاثة منتجاتٍ رئيسة في السّوقِ، وهي: الحاسوبُ المحمولُ Macintosh، وآلة الموسيقى IPod، وشاشة السّينما المتحرّكة بتقنيّة 3D مع Pixar. وكانت الغاية من هذا الإطلاقِ، إحداثُ قطيعةٍ مع التّعاطي الاستهلاكي الفجّ، فهذه المنتجات –حسب ستيف-ليست أدواتٍ تقنية فحسب؛ منذورة للاستعمال المنزليّ الرّتيب والمكرور. بل إنّها، في المقامِ الأوّل، وسائلٌ للتفكيرِ المختلفِ. لهذا سيرفعُ ستيف، هاهنا، يافطة كُتبَ عليها بخطٍّ بارزٍ: Think different.
في هذا المساق، ومع شركةٍ أديداس التّجاريّة، سيطلقُ "إريك ستَامينغر"، القائمُ التقنيّ على شأن العلامة التّجاريّة، الخاصّة بأديداس، شعاراً مؤدّاه: Nothing is impossible. وسيعمل، بحماسٍ بادٍ، مع فريق عملهِ على مواكبة الرياضيين في جميع المجالاتِ الرياضيّة، جاعلاً من المستحيلِ خرافةً تستطيعُ شركتهُ –من خلالِ ما تنتجه من ملابسَ رياضيّة-تقويضهُ. لقد كانَ وعدهُ جليًّا: أركض بسرعةٍ، ثِبْ عالياً، سجّل الكثير من الأهدافِ. الحاصل، فإنّ الرياضيين على موعدٍ مع إثاراتٍ وانتصاراتٍ عزّ نظيرها، إِنْ همْ اقتنوا ملابس أديداس.
غير بعيدٍ عن الأمثلةِ السّابقةِ، يسوقُ ج.م. درُو مثالاُ ثالثاً؛ فمنذُ اعتلاءِ "كارلوس جوهسن" سنةَ 1999، منصّة رئاسة مجموعةِ نيسان، سينزع هذا الرئيسُ صوبَ صياغةِ شعارٍ جديدٍ ودّالٍ، رصّهُ في الصّيغة التّاليّة: "Shift". صيغةٌ توحي صراحةً إلى معنى الانتقالِ والتحوُّل. لقد كانت فكرتهُ، هاهُنا، جليّة: "سنداومُ، أبدا، على تغيير موقع رؤية المُستهلِك؛ إنها وسيلتُنا لجعلهِ يرى الأشياءِ بشكلٍ مختلفٍ. إنّ تغيير الموقعِ، بهذا التّحديد، معناهُ تغيير أفق الرؤيّة وامتداداتها".
إجمالاً؛ تكشفُ هذه الأمثلةُ-في المقام الأوّلِ-أهميّة الشّعار الإشهاريّ وعلاقتهُ بالعلامةِ التجاريّة. وتكشفُ-في مقامٍ ثانٍ-دور الابتكارِ والتّجديدِ في استقطابِ المستهلكين. وبتعبير آخر، يتعيّن على الإشهار-حسب جون ماري درُو-أن يجدّد رؤيّة المستهلكِ، دوماً، للعالمِ والوجودِ حوله.
في الجزءِ الثّاني من هذا القسمِ، يستعرضُ الكاتبُ، بإيجازٍ مكثّفٍ، تطوّر الفيلم الإشهاريّ. فيلمٌ يمتدّ على ثلاث مراحل كُبرى، يمكن إجمالها فيما يلي: 1. مرحلةُ عرضِ المنتجاتِ 2. مرحلةُ تطويرِ الأفكارٍ 3. مرحلةُ استهداف الوعي والفكرِ، وهي المرحلةُ التي ستتعاظمُ فيها سجلات المبيعاتِ نتيجة بروز أشكالٍ شتى من الإبداعِ. تستبطنُ كلّ مرحلةِ دزينة من السّماتِ. 
كانَ هدف الــمُشهر، في مرحلتيْ عرضِ المنتجاتِ وتطوير الأفكارِ، استهداف إيمانِ المستهلِك، وإقناعهُ بواسطة المنطقِ والعقلِ، وبطرقٍ سلسلةٍ ومباشرةٍ لا مواربة فيها ولا التواء. كانت وسيلةُ الإقناعِ، هُنا، عرضُ فيلمٍ إشهاريٍّ قصيرٍ (60 ثانيّةٍ)، يركّز على فكرةٍ واحدة. لكن سُرعان ما ستتبدّد هاتان المرحلتان أمام مقتربٍ فذٍ-سيدشّنُ مرحلةً جديدةً-صاغهُ جون ماري درُو. لقد قدّم هذا الخبيرُ المتمرّسُ استراتيجيّةً إشهاريّةً وَسمها Ladder، (الزّعيم)، تغترفُ نُسوغها من مبادئ "بيل برنباخ" (1911-1982)، والتي يمكن صياغتها فيما يلي: الوجودُ في الرّوحِ، والسّمة، والرّبح، والإقليم، والقيمة، والدّور.
بهذا التّحديد، يرى "جون ماري درُو" أنّ تحقيق الزّعامة في مجال التّواصلِ الإشهاريِّ –وهو مجالٌ محتدمٌ وشرسٌ وضاجٌ بالمنافسين اللوذعيين والدّهاة-يقتضي التوسّل بأدواتٍ للقياس والاستطلاعِ، قصدَ بناءِ استراتيجيّة فعالةٍ في الحاضرِ والمستقبل. 
ستفعّل هذه الاستراتيجيّة من خلال الاهتداءِ بتقنيةِ "Tivo"، وهي تقنيّة تقيسُ نسبة المشاهدين الذين يشاهدون برنامجاً ما، كما ترصدُ عدد المشاهدين الذي يشاهدونَ قناةً ما. وتقيس، أيضا، نسبة المشاهدين الذي يشاهدون برنامجاً مباشراً، والآخرين الذين يكتفون بمشاهدته بعد موعدِ بثه المُباشر. والأدهى أنّ هذه التقنية تكمن، كذلك، معرفة الإعلانات المُشاهدة وتلك التي تمّ تخطّيها أو عدمُ مشاهدتها بشكلٍ قطعيٍّ.
تبعاً لهذه المعطياتِ، يقرّ ج.م. درُو أن وسيلة القياس هذه، ستضطلع، من موقعها الاستطلاعيّ، بتحديدِ نسبِ المُشاهدينَ وفئاتهم ونوعيّة البرامجِ المُشاهدة. ومن ثمة، فإنها ستكُون وسيلة استقراء فعّالة –بدل الإحصاءِ السنوي الغامض-تمكنُ نتائجهُ من بناءِ استراتيجياتٍ مرنةٍ وقادرة على مناورة المشاهد دوما. وقادرة على تطويعه وتضليله.
ويأتي الجزءُ الثالثُ ليكشِفَ طبيعة الإشهار؛ إنه يقعُ في نقطة تقاطعٍ بين التسليّة والمتعة وبين الرسالةِ. ويرى ج.م. درُو أنّه بظُهورِ الأنترنيت ستنتفي الحدُودُ بين الحقيقةِ وعوالم الافتراضِ، واستحالت-في هذه الحال-وسائلُ الأعلامِ نفسُها علاماتٍ تجاريّة في سوقٍ لا ضَابِطَ لها ولا رَادِع. يَسُوقُ "درُو" بعض الشّواهد الدّالة الى انتفاءِ الحدود بين الحقيقة والافتراض. نذكرُ منها على سبيلِ المثالِ لا الحصرِ ألعاب: "Get Away" و"Shado of Golossus" وتجدرُ الإشارةُ أنّ ج.م. درو قد أشرفَ على إنجازِ فيلمٍ إشهاريٍّ بعنوانِ "Second Life" لشركةِ "PlayStation"، وذلك بُغية حفزِ الشبان على تعاطي هذه اللّعبة.
لقد استطاعت وكالةُ TBWA، التي يُشرفُ عليها جون ماري درُو، أن تجمعَ، بدقةٍ ومهارةٍ، بين عالمِ الحقيقةِ والافتراض. وصارَ المفترضُ هو الواقعي الأكيد. يتبدّى هذا الجمعُ في إنجازِ ملصقاتِ SNCF. تعكس هذه الملصقاتُ صوراً يتمّ تثبيتها على الجُدرانِ والسّلالم الإلكترونيّة، والغاية من عرضِها توعيّة المُسافرين الفرنسيين بالأضرار الوخيمةِ التي يتكبّدها المجتمعُ بسببِ التهرّب أو الاحتيال الضريبي، أو تحسيسهم بضرُورَة الاعتناءِ بالحيواناتِ الأليفةِ. نستشفّ، إذن، أنّ وسائل الإعلامِ لا تستخدمُ الإشهارَ قصد التسويق فقط، ولكنّها ترومُ، من خلالِ استقراءِ المُفترضِ ورصد تقاطعاته مع الواقعي، مُراقبة المخاوفِ الاجتماعية. لهذا، يرى هذا الخبيرُ أن المخلوقاتِ الفكريّة الكُبرى تنشأ من خلال التقاطع بين الواقع والافتراضِ، بين الملموس وغير الملمُوسِ، بين التجاريّ والافتتاحي، بين الفنّ والعلمِ. يقول ج.م. درُو: "لم يسبق أنْ كانَ عالمُ التّواصلِ مُشرعاً إلى هذا الحدّ".
يخصصّ ج.م. درُو الجزءَ الرّابع للحديث عن الوكالات الإشهاريّة، ويرصدُ الاختلافات بين الوكالاتِ. فرغم أنّ هدفَها جميعاً يكمُن في الرّبحِ، إلا أنّ لِكلّ وكالةٍ توجهاتها ومراميها وطرقُ ترسيخها لعلاماتها التّجارية في قيعانِ وعي المستهلكينَ. وهذا ما يعني، أن هذه الوكالاتِ في عملية تحقيقِ أهدافها لا تني تبتكرُ استراتيجيات، يمكنُ بواسطتها -بقليلٍ من الفحصِ-معرفة تطوّر أنساقِ الثّقافة وتحوّلات الاجتماعيّة والنفسيّة وغيرها.
حسب ج.م.درُو تضطلعُ كلّ وكالةٍ بتجهيز قاعاتٍ متخصصةٍ تتوزع على تخصّصات مختلفة، يشرفُ على كلّ قاعةٍ خبراءٌ في الفكر الإنسانيِّ، وتتصلّ هذه القاعات فيما بينها بشكلٍ يجعلُ موظّفيها على تواصلٍ دائمٍ، يمكنهم، كذلكَ، من معرفةِ ما يقومُ به زملاؤهم في القاعاتِ المجاورةِ. هكذا، تصبحُ الوكالةُ خليّة تتضافرُ جهودِ المشتغلين وتتعاضدُ رؤاهم من أجلِ الوصولِ إلى الدّقة العاليّة في التصميمِ والإنتاجِ. ويهدف ج.م. درُو أنْ تصبحَ وكالتهُ أكثر قدرةً على استيعاب الاختلافِ وعلى صهره بما يخدمُ غاياتها؛ إنه يؤمن أنّ الفكرةَ الأكثر إبداعاً هي الفكرة التي تولدُ بغتةً؛ بدونِ سابق إعلامٍ.
في نهايةِ هذا القسمِ، يخصص ج.م. درُو حيزاً مُهمًا للحديث عن المُشهر. وقد آثر هذا الخبير الحديث عن رجلٍ يُدعي "فليب ميشال" واسماً إياهُ بمشهرِ الغد. يتعلقُ الأمرُ بمشهرٍ يعتبرهُ الكثير من المتخصّصين "مفكراً إنسانيًّا"، وواحداً من أعتى المُشهرين في العالمِ. وهذا ليس زعماً باطلاً؛ فالرّجل كان مديراً فنيًّا لوكالةِ CLM BBDO. فضلاً عن ذلك، شاركَ في حملاتٍ دعائيّة بارزة مع شركات: Apple، Eram، Total، Tf1. وتتراءى قوة هذا المُشهر في ابتداعهِ إعلاناتٍ ذكية، وجميلةٍ، وأنيقةٍ. كانَ مهتماً بكلّ شخصٍ وبكلّ شيءٍ، وحريصاً على احترامِ الأشخاصِ الذين يخاطبهم احترامً بالغاً. لقد كانت دعوتهُ واضحةً جداً؛ فعلى المشهرين إظهارُ مزيدٍ من التأدّب واللباقة أثناء مخاطبتهم المستهلكَ. في هذا الصّدد يقولُ "فليب ميشال (مخاطباً ج.م. درُو): "الإبداعُ هو احترامُ المُستهلكِ. نحنُ ندعو أنفسنا إلى منزله على السّاعة الثامنة ليلاً، منغصين عليه وجبة العشاء. أقلّ شيءٍ يمكنُ أنْ نفعلهُ، في هذه الحالة، هو التّحلي بالقليلِ من اللّباقةِ، واللطفِ، والبساطةِ، والفكاهةِ؛ إجمالاً أن نلتزمَ الإبداع". لقد كان فليب ميشال مُدركاً أنّ المستهلكَ عندما يقدّر احترامكَ له يقبلُ عليكَ متلهفاً.
* * *
في القسمِ الثّاني من الكتابِ، والموسوم بآليات الفعلِ، يفصّل المؤلِّف شرحَ ثقافة العملِ التي يهتدي بها، والتي تمُكنه من ضمانِ استمرارِ وكالتهِ.
لقد كانت البدايةُ في الثاني من يناير سنة 1984، عندما قامَ أربعة أصدقاءٍ: جون كلود بوليه، ماري كاثرين دوبري، جون بيار بيتي، وجون ماري درُو بإطلاقِ مشروعٍ جريء احتلّ مكانةً عظيمة في السّوق الاقتصاديّة. يتعلق الأمرُ بتأسيس وكالةِ BDDP، والتي لم يكتب لها الاستمرار بسبب الدّيون المرتفعةِ، لهذا سيقوم هؤلاءِ بدمجها في شبكةٍ أوسعَ تُدعى TBWA، وهي شبكةٌ من أصلٍ أوروبيٍّ. 
سوف تحقّق هذه الشبكة نجاحاتٍ مُبهرةٍ، ليتمّ دمجها، في الأخير، مع عملاقِ الإعلاناتِ العالميّة Omnicom، عام 1998. ورغم هذا الاندماجِ، ظلّت شركة TBWA، تفرضُ سياستها وحضورها القويَّ على عواصمَ عدّة، نذكر منها: لوس أنجلوس، شانغهاي، دبي.
ويرى ج.م. دروُ أنّ الثقافةَ ليست مجردَ مضافٍ اختياريٍّ بسيطٍ؛ إنها على العكس من ذلك، وقودُ التنافسِ الإشهاريّ، فكلّ إشهارٍ لا ينطلقُ من ثقافة المستهلكِ لا يمكن أن يلامسَ أعماقهُ ملامسة شفيفةً. بل سيرتطمُ بالسّطح ويهوي بصمتٍ. بالتالي، سيكون إشهاراً فاشلاً وعرضياً. 
ويتعيّن، حسب درُو، التركيزُ على القيمِ الإنسانيّة المُشتركةِ، فهذه القيم –بِعَدِّها نواةَ الوجودِ-هي التي تصنعُ الشّفافيةَ والجرأةَ والانفتاحَ الفكريَّ. لقد كان عالمُ الإشهارِ غير شفافٍ؛ عالماً تتضاربُ فيه المصالحُ والنّوازع. بيْدَ أنه شيئاً فشيئاً، سيتمّ تثبيت الشّفافية الماليّة بفضلِ لجنة المُنافسةِ سنة1992. وهُنا، سيصرّ ج.م. درُو على اعتناق القيم المؤسساتيّة الكُبرى المتبدّيّة في: الحماس، والانفتاح، والشّفافية، والعملِ الجاد.
في هذا السّياقِ، يطرحُ ج.م. درُو سؤالاً وجيهاً: كيف تستطيعُ وكالةُ الإشهارِ تطويرَ معارفها الخاصّة؟ 
جواباً عن هذا السّؤالِ، احتفرَ مساراً يستندُ إلى خمسةٍ مجالاتٍ: التنظيمُ، وخطّة العملِ، والأعمال الجديدةِ، والاتصالاتِ الدّاخليّة. يعكسُ هذا المسار في ائتلافه استراتيجية أسماها درُو ب"Distruption". وُكْدُ هذه الاستراتيجيّة مقاومةُ متغيراتِ السّوقِ، ورسمُ طريقٍ لا ما يجمُل تغييره وما يستعصي تغييرهُ. إجمالاً تعتبرُ هذه الاستراتيجّية أداةً تساعدُ الشركاتِ والعلاماتِ التجاريّة على تحديد رغباتِ زبائنها المُستقبليّة وتوقعُ الأفق الاستهلاكيّ المستقبليِّ.
 
  Jean-Marie Dru, La publicité autrement, Gallimard, 2007.
تعليقات