بول أوستر في بلد الأشياء الأخيرة



بول أوستر في بلد الأشياء الأخيرة

بول أوستر


 بمناسبة رحيل بول أوستر .. لابد من التذكير أنه واحد ممن أرسوا أسلوب كتابة جديد للرواية. 
روايات أوستر خالية من الأبطال، الكل ضحايا أو ذوات شفافة لا تعكس أية إيديولوجية أو عقيدة أو أي تعلق بالعالم، والشخصيات الرئيسة لا تعكس أي بروفايل اجتماعي، هي مجرد أصوات إنسانية في عالم لم يعد الإنسان فيه سوى رقم. 

  الوصف أساسي في كتاباته، لكنه ليس وصفا داخليا للمشاعر، فذلك أسلوب مباشر  لتقديم عالم الرواية. يعتمد وصفا خارجيا، غير أنه وصف بارد نوعا ما، فالأشياء التي يركز عليها تعكس عالم الإنسان الجديد، إذ يصف الأماكن والأحداث منظوراً إليها من ذوات معطوبة فتنعكس كأنها قطع من الجحيم، من ثمة يبين طبيعة الشخصيات من خلال منظورها للأشياء لا من خلال وصفها مباشرة.  عوالم الرواية  يغلفها شعور كئيب بالخراب والنهاية، فمعظم كتاباته انعكاس لشعور صوفي باقتراب نهاية الحضارة الغربية واضمحلال الإنسان، والسرد ليس سوى استرسال في سمفونية نهاية الحضارة. 

"في بلد الأشياء الأخيرة" نواة كل عمل كتبه أوستر، حتى ثلاثية نيويورك وروايته عن أبيه "اختراع العزلة" لم يعكسا صلب الكتابة عنده بالقدر نفسه، في الرواية يصور الخراب العام الذي يصيب المدينة الإنسانية جراء انتشار وباء كبير وتحول الحياة  إلى حلبة صراع بين الناس حول الطعام والماء أساساً، قتال ضار بالعصي والأظافر لانتزاع لقمة، بمجرد نفوق جثة يتم تخاطفها في السماء وانتزاع كل شيء منها، ديستوبيا عكست تصور الحياة في منظور ما بعد  الحداثة الغربية الزائفة، فكل الشعارات والدعوات لإنسانية العالم الغربي تنتهي بالزيف والخراب لغياب أي أساس أخلاقي  يسندها، يصور أوستر رحلة آنا بلوم في مدينة النهاية بحثا عن أخيها وعن حبيبها سام، تكتشف جماعات دينية تعبد الموت الجماعي، جماعة تتفنن في الانتحار قفزا  فوق البنايات والجسور، أخرى تكرز للموت جريا حتى تحلق الروح في الفضاء، وكالات  لكراء القتلة المأجورين،  يكتريهم المرء  ليباغتوه  فيموت طعنا غدرا أو بالرصاص عوض  أن يموت جوعا أو بالوباء والأمراض، موت سريع  يصير هو الأمل والسعادة في عالم الغد.

تفقد آنا طفلها في إشارة للاجدوى الإنجاب في عالم يسير نحو النهاية بخطى متسارعة . 
لا تجد أخاها، تموت صديقتها إيزابيل في إشارة إلى غياب الدفء ونهاية العلاقات الإنسانية الحميمة. 

تحترق المكتبة في إشارة لنهاية العلم والمعرفة وانتصار الجوعى والغوغائية. 
تصبح الحكومة مجرد وسيلة لحماية مصالح أفرادها في إشارة لتفكك المجتمع البشري .. 
إن كان هناك من ثيمة في كتابات أوستر فهي ثيمة "التفكك" العلائقي بين البشر، بين الإنسان وخالقه، بين السياسة والفرد، تفكك حلم السعادة البشري الذي نظر له الفلاسفة والعلماء والأدباء والمرشدون الأخلاقيون الزائفون. 

تعكس روايات أوستر الدستوبية عالماً بدأ يتشكل، وهنا مكمن خطورتها الأدبية، فهي روايات استشرافية، تنبؤية، ترى نهاية النفق الذي سارت فيه الإنسانية، حين حل وباء كورونا، كان أول ما فكرت فيه هو رواية بول أوستر، كتاباته عن عالم يمكن فيه اعتبار الإنسان مجرد فأر تجارب، رقم، بحيث يصير من السهل التحكم فيه، لكن بالمقابل استحالة التحكم في التنظيم الاجتماعي، حيث ستحل الفوضى يوما ما لا محالة،  من التدافعات حول الطعام إلى الهجوم على الكابيتول ... يتماهى الواقع في شذرات متفرقة مع اللوحة العامة التي رسمها أوستر لإنسان النهاية.

يتمنى المرء أن تكون كتابات مثل هؤلاء الروائيين مجرد دستوبيا وخيال مريض، لكن أحداثاً مثل ما يقع في غزة وبوادر حرب كبرى تعيد مصداقيتهم دائما إلى الواجهة ..

أتراكسيا



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-