حقيقةٌ تعانقُ مجَازهـا - رَحيم دَودي

 حقيقةٌ تعانقُ مجَازهـا

رَحيم دَودي

حقيقةٌ تعانقُ مجَازهـا - رَحيم دَودي



 كحلمٍ هَادئ تراءى خيالها واشيًا بالاقترابِ...
الوقتُ مساءٌ جوريُّ الأبجديةِ. الدقائقُ سحبٌ ورياحٌ متخاصمةٌ. الفضاءُ رصيفٌ نفرَ من مقبرةٍ روّاها المطرُ غبّ صيفٍ عبدَ الشمسَ بخشوعٍ مُستكينٍ...
قادمًا من أزقةِ المدينةِ القديمةِ لمحها تمشي على الرصيفِ كحلمٍ هادئ...
 تساءل متحيِّر النبر: "أين ومتى وكيف؟". نظرتْ إليه نظرةً محسوبةً بدقةٍ مُرعبةٍ. أطرقتْ رأسها وغارتْ في أسودِ عينيها ترسمُ ممكناتِ صوره في مشاغلِ الذهنِ. حلمٌ هادئٌ متشحٌ بمعطفٍ بنيٍّ يدثِّرُ السُّمرةَ الراشحةَ بالنّدى. بنطالٌ أسودُ يتحدرُ مفصّلًا، بمقياسٍ أرخميديّ؛ لا ثنية تفسدُ استقامة الانسدال؛ انسدالهُ الأنيق، ولا طيّة تثلبُ مهابةَ الشكلِ؛ شكله المتسق. 

خطوةٌ، خُطوتان، ثلاثٌ، خطٌ مستقيمٌ، إحساسٌ ملتبِسٌ، سحابةٌ هاربةٌ في الأفق، والخيالُ مشتعلٌ بصورٍ يقتادُ إيقاعها الأوبراليَّ إيروسُ وأفروديتُ لاهيانِ، مكرًا،  بعواطفِ الجبليّ الأشقرِ والغجرية السّمراء.

بَادَلَها النّظرةَ عبرَ الوسيطِ الأسودِ الحَاجبِ حجمَ المعنى في العينين. مُقْلتانِ غريقتان. سرّان متوهجّان يلهجان بالحقيقة صارخةً. الفضيحةُ مثبتةً على أوراقٍ ممهورة بإمضاءِ الشهودِ: عينان تنظرانِ. 

ارتجّ صوتٌ مبهمٌ بدَاخله: "الوجه؛ وجهها، أليفٌ، لطيفٌ، شفيفٌ، كثيفُ الدّلالة، فأينَ رأيتها؟". خمّن مَقَلِّبًا صورًا كثيرةً في ذهنه. على نحو خاطفٍ، اشتعلت الصورة عبر شاشة روحه:  "آآه، هي ابنةُ الغيمِ الدافئ إذًا، رفيقة الدُّورِيّ المغرّد صباحًا، أميرة شرفة الأوركيدِ والأضاليا. ياسمينُ البياضِ الفتّان". 

أطرقَ رأسهُ، دارى اختلاجاتِه الداخليّة، اجتازَ ممرّ الراجلينَ. كانت تمشي أمامهُ كحلمٍ هادئٍ، استجمعَ كل حركات المعنى عند نقطة الحيادِ، ثم مرّ، صامتًا، بمحاذاتها، وغابَ في ظله. 
خطوةٌ، خطوتان، ثلاثٌ، خطٌ متعرجٌ مُلتوٍ،  والقلبُ سُيالةٌ ناريّةٌ متلظيّة.

 عاجَ على بقالِ الحيّ، مُحاولًا مَحْوَ كلّ الصور من ذهنه، اشترى ما لم يكن يحتاجهُ ونسيَ حاجاته. عائدًا، انتهجَ المدخل السفليّ إلى المنزلِ، مفكّرًا في ما سيقرأه الليلةَ. عند الانعطاف الأخير، رآها قادمةً كحلمٍ إيروسيّ وهّاج وعيونها تغازلُ طائرَ الدوريّ، وهو، فوقَ سماءِ الشرفة اليتيمة، يقتنصُ حبّة قمحٍ من إنائها الأخضرَ. فاتحًا البابَ، بارتباكٍ، هجسَ في دواخله المتصدّعة:
"يا ليتني ما كنتُ
 إنسيًّا يُذَبِّحُهُ الجمالْ.
يا ليتني دوريُّها 
أشدو أُغنّي متى تشاء.
يا ليتني ما كنتُ آدم من ترابٍ من دموعْ
يَعروه من فيض المشاعرِ والعواطفِ والخيالْ
كَلفٌ يفجّر مقلتيه،
كمدٌ يقرّح وجنتيه.
...
يا آدمُ المدفون فيَّ 
لقد سئمت من الحياه، 
خُذْها وسافر في المدى،
ما عدتُ من أحفادكَ المتناسلين 
كما الحروبِ كما الظلال وكالفناء.
...
ما عدتُ إنسيًّا أنَا،
عُشّيِ سنابلُ شعرها،
وأنا الدّوريّ بلا هموم، 
تكفيني حبّةُ سمسم، يكفيني ليلُ خيالها، 
يكفيها صوتُ غنائيَا، تكفيها ألفاظُ النوى،
تكفينا أكوانُ المجاز...
تكفينا أطياف الهوى.



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-