الاقتطاع الزمني

 

الاقتطاع الزمني 

الاقتطاع الزمني



بعد أن "تدوس ما كنت تعبده"، يدوسك الملل. تبحث من جديد عن معبودات واهية أم تبقى في حالة  عبور دائمة؟.
في الحالتين، لكل اتجاه مساوئه وربما بعض المحاسن.

-  حين يخلق الإنسان وهمه الخاص وهو واع به، يتولد لديه شعور خادع بأن إدراكه لوهمية الصنم الجديد سيمنعه من السقوط في التكرار والملل والنفور، فهو واع، عارف بكنه اختياره وبجوهر الوثن المادي أو العاطفي الذي اختاره طواعية، لذلك لا يمكن أن يكون ضحيته مع مرور الوقت. اعتقاد ساذج، إذ سرعان ما تتكشف استحالة الانغماس الكلي في العبادة الجديدة، فحقيقة المعبود  تكمن في اليقين المطلق بصدقه، غير ذلك  يقيم العقل حواجز عالية بين السعادة وبين الوثن المختار، فالسعادة وليدة التصديق، والتصديق غير ممكن في حالة الإدراك بوقتية وزوال الوثن، بل وبلامطابقته للحقيقة، فالحقيقة نسبية ومتجسدة في صور متعددة. هكذا يتوصل  من اختاروا وهما مشتركا (الدين- الحب - التقدم - الإيديولوجيا ..) وقرروا الانغماس فيه رغم إدراكهم لانفصاله عن الحقيقة كما يسوقها  مؤسسوه،  يتوصلون إلى الشعور بمذاق يشبه الطين عوض الحلاوة المعيشية التي اعتقدوها في البداية حين ظنوا - متدثرين بالحكمة والوعي- أن بإمكانهم تزييف الإيمان. فالسعادة غريزة وليست معرفة، واليقين والإيمان شرط الطمأنينة، وسرعان ما تنفلث منهم العقيدة، وتتفكك، يفقدون المحبوب لأن غريزة غير عاطفية  هي ما حرك الطرفين تجاه بعضهما،  والله لأنه  انعكاس للخوف من المجهول الذي تتكشف أجزاؤه طرديا مع الزمن، ويهربون من الحزب السياسي الذي نواته الأصلية الصراع لأجل المصالح الذاتية، إذا لا وجود لمصلحة "عامة" إلا كشعار تضليلي يغطي على حقيقة الصراع الأبدي بين الخلايا.  وهكذا يصلون  إلى ضرورة العيش في العبور الدائم. 

-والعبور الدائم موقف من الحياة يتأسس على إدراك ارتباط كل منزع للحقيقة والواقع واليقين على مصلحة خفية لا تمت للحقيقة المعرفية أو للحكمة والخير بأية روابط، إن عالم الأيقونات الدينية والسياسية والاجتماعية هو عالم يحكمه مبدأ تزييف الرغبات، يطفو إلى السطح خطاب الجمال والمطابقة، لكن يختبئ تحت الطاولة قانون الغرائز العمياء: الملكية الخاصة، الجنس، القوة، المكانة. هكذا يدرك اللامنتمي أن اصطفافه في أي مقولة أو مذهب سلوك عبثي، بل سلوك يفتقد للأصالة والمصداقية، ورغم أن المؤسسات ضرورية لاستمرار حالة الاجتماع، غير أنه ما من شيء يجزم بأن حالة اجتماع البشر بهذا الشكل قدر نهائي، لربما في عالم لا ينتمي فيه الناس إلى أي "حقيقة مطلقة" ستكون الحدود مفتوحة بين الذوات والأعراق واللغات والتجارب وال....لا يمكن. من هنا القلق الذي يشوب  حالة العبور الدائم واللاستقرار العقدي والإيديولوجي، فغرائز الذوات المتطاحنة  تتصادم مع  تصور اللاننتمي الأخلاقي اليوتوبي للعالم، عالم أصيل هو بالضرورة عالم لا تحكمه الغريزة بل الخير والجمال والصدق والعقل والحدس، لكن النزوع الغريزية هي بالضبط الطباق والضد المنطقي لكل هذه الخصائص، من هنا نشأ تزييف الحقيقة، وتبلور من تجارب شخصية فصار مؤسسات متوارثة. 

يقف الإنسان الذي فهم كيف تشكل المجتمع والتاريخ دائما محايدا، ليس باختياره، بل رغما عنه، بؤسه ليس من منطلق النقص العقلي أو عدم إدراك الحياة الزائلة بل من تناقض الحق مع الغرائز البشرية. 
ولعل المرء قادر في ظل هذه الحياة، بالصيغة التي تتجسد فيها كل مقولات الفكر ومؤسسات الواقع، على أن يقتطع أوقاتا معينة لنفسه. 

مفهوم "الاقتطاع الزمني"  أراه ضروريا لي شخصيا، أعني به أن يختار الإنسان الانغماس في وثن جماعي كالحب أو الدين أو الأسرة أو الحزب لكن ليس بشكل دائم، أن لا يوهم نفسه بأن الوثن الوهمي الذي اختاره واعيا سيكون ملجأ لسعادته، حتى وإن كان "العقلانية" أو "العزلة"، على المرء أن يتدرب على المضي قدما والخروج المستمر من الأشياء والمواقف، ومغادرة الشرنقات واحدة تلو الأخرى، أن يكون قادرا على العبور والتوقف بشكل متوازن، على التناقض بين الفينة والأخرى، على تغيير دفة القارب فجأة أو على الأقل  ربط الحياة السعيدة بشيء ذاتي صميم (كالمعرفة أو الإبداع) وليس بالمؤسسات والأشخاص. 

- لنأخذ مثالا واقعيا نوعا ما: تختار امرأة  ذكية لامنتمية فهمت حقيقة الأدلوجة  الانضمام لحزب والارتباط برجل ومحبة مدينة وشراء بيت فيها، والقيام بطقوس معينة يومية، مثل الطبخ والتنزه والتبضع  والذهاب للمسجد أو الكنيسة. إن كل هذه الأنشطة نابعة من اعتقادات قبلية في الحب والأسرة والدين والسياسة. لكن في النقطة الأعمق من عقلها الباطني  تعرف أن كل سلوكياتها مؤسسة على مقولات زائفة تبلورت في ظروف تاريخية وبدوافع غريزية خفية ما، تعلم أيضا أن خلف كل تلك الممارسات نزوع غريزية للحفاظ على مكانة اجتماعية وممارسة الجنس وتغطية الاحتياجات السيكولوجية والغذائية وتحقيق الحماية من المجهول. مع الوقت إن بقيت داخل الأطر التي اختارت بفكرة أنها منخرطة في مقولات السعادة الأساسية،  ستبدأ في الشعور بالاختناق، بالزيف، بعدم تحقيق ما كانت تصبو إليه، الملل، ثم تأتي المساوئ الأخرى تباعا، الطقوس الشكلية في الدين دون روح، الخيانة والمشاكل العاطفية، الندم، الممارسة السياسية لأجل بلوغ سلطة أو مكانة تبدو بعيدة... وستتدمر داخليا، وتبدأ في الانهيار، لأنها لم تعش تلك التجربة داخل تلك المؤسسات ك"اقتطاع زمني" فقط، بل كحقائق، أو محاولة تشبث يائسة بحقائق غير موجودة إلا في اللغة والمخيال الجماعي. الآن تلك المرأة ستعيش مأساة ودراما نفسية واجتماعية. والأحرى أن عيش الحياة كعبور دائم تتخلله "اقتطاعات زمنية" نتوقف فيها لتجربة شيء ما تم المرور، كان ليغنيها عن المأساة، ويمنحها في الوقت ذاته شغف كل التجارب. 

إن كل مآسينا تنبع من محاولاتنا المضحكة تخليد الأشياء في عالم مؤقت، ضمن وجود منساب وزائل. ما لم يفضل المرء بين مؤسسات القلب والتاريخ وبين شرطه الوجودي سيظل مهددا دائما بالقلق والارتباك. على السعادة أن تكون ذاتية بالمقام الأول، ثم تأتي المشاركة في سياق نسبي قد يدوم وقد لا يدوم. في كل الحالات الحياة الحقيقية تكمن في الاقتطاعات الزمنية التي نمر بها إن كنا محظوظين !

أتراكسيا



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-