القائمة الرئيسية

الصفحات

منهجية السؤال : هل القيام بالواجب نفي للحرية؟

 
منهجية السؤال : هل القيام بالواجب نفي للحرية؟


منهجية السؤال : هل القيام بالواجب نفي للحرية؟

السؤال : هل القيام بالواجب نفي للحرية؟


تحرير الموضوع:


مقدمة:


يمكن تأطير موضوع هذا السؤال ضمن المجال النظري للأخلاق، بما هو مجال قيمي معياري يحدد الفعل الإنساني ويدفع به نحو التحرر من سلطة الأهواء الطبيعية المدمرة، والانتقال من عالم الطبيعة إلى عالم القيم القائم على الوعي بالواجب نحو الذات والغير والعالم، مع ما ينتج عن هذا الوعي من إحساس بالحرية في الاختيار والفعل المسؤول. غير أنّ الدخول إلى عالم القيم الأخلاقية فرض على الإنسان قبول سلسلة من القيود، فرغبته في أن يفعل ما يشاء، تصطدم بالموانع التي تفرضها منظومة القيم المؤسسة على الواجبات المتعددة. فهل يلغي القيام بالواجب حرية الإنسان، ومن ثم لا يمكن تصور الحرية باعتبارها مفهوما وممارسة إلا خارج نطاق الواجب؟ أم أن الحرية الحقيقية هي التي تتجسد في القيام بالواجب؟

تحليل:


إذا كان مفهوم الواجب يعني ضرورة القيام بفعل محدد دون اعتبار للميولات الذاتية ولا للمصالح الشخصية، ولا ما قد ينتج عن ذلك من فوائد، فإن مثل هذا التحديد لمفهوم الواجب يجعل منه غاية في ذاته، وأمرا يفرض ذاته على الإرادة الفردية ليحولها إلى منفذ يومي لمجموع الواجبات التي يتلقاها الفرد من المجتمع.

آنذاك يأخذ الواجب صيغة إلزامية وإكراهية، ويحد من كل ما يتوق إلى الشخص حتى تغدو الأفعال اليومية في أدق تفاصيلها وجزئياتها ترديدا لواجبات خارجية اجتماعية يؤديها الإنسان برتابة ودون قصد، مثل من يقوم يوميا بجملة من العادات. لذلك اعتبر "برغسون" الواجب الذي يفرضه المجتمع شبيها بالعادة الجاثمة على إرادة الأشخاص الموجهة لهم حتى نحو تلك الأفعال التي يعتقدون أنهم يؤدونها عن حرية واختيار (الذهاب إلى السوق، الخروج في نزهة، زيارة الأهل...). هكذا يصبح الواجب سلطة وقوة منع تستمد مشروعيتها من المصدر الذي يفرضها. فالمجتمع مثلا يحدد جملة من الواجبات والممنوعات التي يستبطنها الأفراد فتشكل ضميرهم الأخلاقي الذي ما هو إلا انعكاس للضمير الجمعي الآمر والناهي، والرقيب الأعلى على القيم والواجبات التي يحرص المجتمع على بقائها واستمراريتها ضدا على حرية الأفراد ورغباتهم. من هذا التصور للواجب ذي المصدر الخارجي، يمكن القول: إن الواجبات تحد فعلا من الحرية الفردية، وتحول الأفراد إلى مجرد أدوات في يد القيم التي ما اختاروها ولا شاركوا في وضعها؛ وذلك على أساس أن الحرية تفترض استقلالية الإرادة والحق في الاختيار والمسؤولية التامة عند الاختيار، بل إن الحرية باعتبارها مفهوما تشكل أساس كل تصور للفعل الإنساني الأخلاقي، إذ لا معنى للأخلاق في انتفاء شرط الحرية والرغبة في الانعتاق من قيود الواجبات الخارجية المفروضة على الإرادة، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بواجبات تعوق حركية الجماعة وتحول بينها وبين عالم أكثر تحررا وانفتاحا وكونية.

مناقشة:


لكن هل يمكن أن نستنتج مما سبق أن الحرية باعتبارها مفهوما، والتحرر باعتباره ممارسة يفترضان بالضرورة عالما خاليا من الواجبات؟ أليست الحرية الحقيقية هي الحرية التي تمارس داخل الالتزام والمسؤولية تجاه الذات والغير والعالم؟ يرى "كانط" أن عالم الأخلاق هو عالم التجلي الفعلي للحرية، وأن القيام بالواجب هو الفعل الدال بالملموس على حرية الإنسان، وذلك على اعتبار أن العقل الإنساني هو المشروع الحقيقي للواجبات، وبالتالي فإن الشخص عندما يخضع للأمر الأخلاقي ويقوم بأداء الواجب من أجل الواجب ذاته فإنما يخضع لما شرعه عقله، وهو في هذا الخضوع إنما يمارس حريته بما تتطلبه هذه الحرية من إرادة خيرة ومستقلة ومشروعة للأوامر الأخلاقية والقوانين التي على الواجب أن يوافقها. هكذا ينتهي "كانط" إلى اعتبار القيام بالواجب فعلا يدل على مدى قدرة الشخص على إتيان الفعل الأخلاقي المطابق لقوانين العقل المشروع. وهي نفس الحرية التي يمكن للشخص أن يمارسها عندما يسعى إلى بناء واجبات تتجاوز واجبات جزئية نحو واجبات الإنسانية جمعاء، وهو الأمر الذي أكد عليه الفيلسوف "ه. برغسون" عندما قارن بين الأخلاق المنغلقة التي يفرضها مجتمع معين على أفراده، وبين الأخلاق المنفتحة التي تجعل الإنسان الكوني مصدر كل الواجبات.

التركيب:


يمكن أن نستنتج مما سبق أن العلاقة بين الواجب والحرية علاقة معقدة وتطرح إشكالات نظرية، والتفكير في هذه الإشكالات عليه أن يستحضر الرهانات الأخلاقية الكبرى التي تطرحها هذه الإشكالات، وخصوصا تلك المرتبطة بقيم المواطنة التي تقتضي من جهة القيام بما يتطلبه الواجب نحو الوطن على كافة المستويات: سياسيا واقتصاديا وثقافيا، ومن جهة ثانية، العمل على جعل المجتمع ينخرط في القيم الكونية حيث الإنسان غاية في ذاته وكرامته فوق كل اعتبار.
reaction:

تعليقات