القائمة الرئيسية

الصفحات

ملنكُوليا | في الحاجة إلى المشي

 

mélancolie




ملنكُوليا | في الحاجة إلى المشي


في أول قراءات الشباب كنت قد صادفت مقطعا مضحكا من "أفول الأصنام" يتحدث فيه نيتشه عن مؤخرة فلوبير الكبيرة التي تمنعه من التفكير الجيد، ثم يثني على التفكير مشيا وتسلقا للجبال، حيث يكون العقل الكبير- الذي هو الجسد - في حالة نشاط تجعل كل شيء واضحا ومتزنا في الذهن. كان المشي بالنسبة لنيتشه تمديدا للإنسان، حيث استعمل استعارات متنوعة، أهمها استعارة القوس، المشي هو تمديد للإنسان كأنه قوس النبلة، يطلقه بقوة خارقة نحو الحياة. يضيف في جزء من "العلم المرح" :
"عادتنا أن نفكر في هواء نقي، مشيا وقفزا وتسلقا ورقصا، ومن الأفضل أن يكون ذلك في الجبال المنفردة أو على ضفاف البحر، هناك حيث الطرقات نفسها تصير موضوع تأمل".

كان أول انطباع لي وأنا أقرأ نيتشه أنه وجد في المشي وسط الغابات والجبال إلهاء مهما يفوق إلهاء الجنس والموسيقى نفسها (التي يقدسها) عن وضعية وجوده المتأزمة، أزمة صحية وفكرية وعاطفية، لقد اكتشف أعظم فكرة فلسفية نحتت التصور الإيديولوجي لما بعد الحداثة وهو يمشي على ضفاف نهر سيلفابلانا، أعني فكرة "العود الأبدي" تلك الصياغة المرعبة للمصير البشري، فإن كان لابد أن ندور في دائرة مفرغة إذا خالية من الثوابت والحقائق، فالبقاء في مكان واحد طوال اليوم/الحياة لا يغني شيئا عن العدم، يجب أن نمشي لنصنع المعنى الخاص بنا، لم يدعُ إلى المشي والسفر بشكل مباشر، لكنه اعتبرهما أكثر أمرين التصاقا بالخلاص والدفع نحو الحياة مهما كانت طبيعتها، وذلك حين قرر في "الأفول" بأن أعظم أفكار الحضارة جاءت مشيا على قدميها لا جلوسا على المؤخرات السمينة. ثم إن انتظار الموت في مكان واحد سلوك يدخل ضمن "أخلاق العبيد"، الأحرى أن ينطلق الإنسان كالمجنون في الأرض بحثا عن موت "لائق".

إن تابعنا البحث في السلوكيات الفردية للكتاب لن نتوقف أبدا، فروسو أشار في "الاعترافات" إلى أن التفكير تحت السماء Sub Dio عادة لا يمكن تغييرها مطلقا، إنها أمر شبيه بطريقة تابثة في التفكير والكتابة، وكانط كان نفسه مشّاء، فمعظم من عاصروه كانوا على ثقة تامة بأنه سيظهر مساء كل يوم على الساعة الخامسة في حدائق Konsberg ، حيث لم يتخلف إلا مرة واحدة كما تحكي الأسطورة، وهي المرة التي قضى المساء ينتظر قدوم أخبار الثورة الفرنسية. أما فالتر بينيامين، فبإيحاء من مفهوم فيتيشية السلعة من ماركس، كان يقضي كل يومه يتجول وسط المدن الكبيرة، ناظرا إلى السلع والأشياء من منظور سحري، رافضا أن يعتبر الأشياء في المدينة مجرد سلع للاستهلاك، أراد أن تكون أِشياء العالم منظورا إليها، عبر التجول والاستكشافن كأشياء للحلم Fantasmagories ...

هناك في الشرق أيضا مشاؤون عظماء، يكفي أن نشير إلى سلوك الأنبياء حين رغبوا في اكتشاف الحقيقة، لقد تاه الأمير سيدارتا بعيدا عن قصر أبيه بحثا عن "المشاهدة"، مشاهدة العالم على حقيقته، مليئا بالألم والمعاناة، وفي مشيه الطويل عاريا إلا من خرقة بالية، والذي يشبه حجا فلسفيا، استطاع صياغة الحياة الإنسانية في مفهوم "دائرة المعاناة"، الولادة والشيخوخة والمرض والموت، كأن في ذلك مدعاة إلى تأمل ديني فلسفي في الوجود، المشي بين الأجساد الفانية حتى وصول درجة "إنكار الأنا"، حيث يساعد المشي والسياحة في البلدان والأرجاء على تكوين نظرة كلية عن تفاهة ما ينخرط فيه الشخص حين يضع احتياجات "أناه" المكروسكوبية كنهاية لكل تشريع وفهم وعمل، في حين أن المنظور الأكبر يفرض "التخلي"، التخلي عن كل شيء صغير لا يضاهي حقيقة العالم. قد لا يصح أن نقول الشيء نفسه عن النبي محمد، بحكم أن مشيه كان بدافع الخوف، لكن لعل إلى جانب الخوف كان المشي في رحلته بحثا عن حضارة جديدة، عن بشر بقلوب وأفئدة وفهم وتوق جديد إلى عالم أكثر عدالة من عالم أرستقراطية البداوة، وهنا نقطة من النقط الأساسية في فلسفة المشي لابد من إبرازها، فالمشي أيضا تعبير عن رفض الواقع، عن رفض نقطة ما من الجغرافيا بكل ما فيها ومن فيها، بحث عن شيء مختلف في المكان والناس. أما بالنسبة للمسيح فالمشي كان أشد الأشياء دلالة في كل تجربته الصوفية، لقد مشى إلى الغابة ليكتشف لذة السرية وجمال الاختباء عن العالم رفقة حوارييه، كان في ذلك المشي اليومي المضني مفهوم الأمل والتجهيز لعالم مغاير بعيدا عن أنظار الأحبار وحراس العالم القائم، في حين كانت مشيته الأخيرة إلى التلة حاملاً صليبه بمضمون مختلف تماما، المشي نحو الحقيقة، حقيقة البشر و"المحبة" التي يمكن أن تخلصهم مما هم عليه من قسوة بالفطرة، ولعله يتصل بنيتشه شكليا في هذه النقطة حتى وإن كانت بين نمطي إدراكهما ونمطي فهمهما للعالم تناقضات صارخة.

يتوضح من تجارب الأدباء والأنبياء أن المشي ليس مجرد سلوك بدني، هناك أبعاد رمزية وفكرية وروحية في هذا الفعل، وقد كان البشر على وعي بذلك منذ ظهور المشي إلى الحج، من حج نهر الكانج إلى حج سان كومبوستيلا وحج الكعبة، ظل المشي سلوكا مقدسا لأسباب متفاوتة ومختلفة، لدى كل من مارسوه بعيدا عن ضغط الحاجة المادية.

كان الفيلسوف الياباني Kitaro Nishida على عكس الذين ذكرنا من عبدة التيه في الأرض يمشي بنمط مختلف، كان قد اختط طريقا واحدا يربط بين أشهر معبدين في مدينة كيوطو وظل يتحرك فيه مثل بندول الساعة طوال عقود من الزمن، طريق مليء بأزهار الكرز، حيث أوحت إليه خطواته الروتينية بوعي مركب يمزج بين عدمية أوروبا وبين روحانية الشرق، هناك سك مفهوم "الصحو الذاتي L'éveil à soi" كطريقة لتجاوز الأنا نحو حالة "الفراغ المطلق" الذي يساوي الراحة الكلية للعقل من الهم الوجودي، وذلك عبر اكتشاف "عدم الأشياء" أو انتفاؤها كموضوعات مركزية للعقل إذا وعى ذاته كآلة لاستقبال الأشياء وحاول قلب هذه الوظيفة.

لكل نبي وفيلسوف كان المشي جزءا مركزيا من النظرة للعالم، آلية وحالة وجود، وقد ارتقى بالنسبة لنيتشه إلى نمط من الإدراك، لم يعد مجرد فعل جسدي، لكنه فعل عقلي، ولا نتعجب من ذلك إذا فهمنا معنى اعتباره للجسد "عقلا كبيرا"، حيث ينخرط كل كياننا في الحياة لا بناء على متطلبات العقل و"الروح" لكن بناء على متطلبات جسدنا باعتباره ضاما للروح والعقل واللحم والعظام معا، من هناك فهمت المشي عند نيتشه كحالة تفكير ووجود معا.

بالنسبة لي، أظن أن المشي كان آخر شيء أفكر فيه، مشاغل الحياة اليومية كانت دائما تقف في وجه مغادرة دائرة العمل والبيت والمقهى، لكن بعد التأمل أظن أن ما كان يمنعني ليس ظروفا ولا شروطا، لقد كنت منذ أمد بعيد أعيش حالة فلوبير، حالة التفكير جلوسا على المؤخرة، التفكير في مدى سوء الوضع، في ضيق المسار الذي اتبعته لحياتي، صعوبة التأقلم من وسط اجتماعي عدواني لا يؤمن بالفكرة مطلقا، كنت في حالة انتظار دائم لحدوث شيء ما، ولم ولن يحدث، وفي حالة تفكيك القناعة هذه فقط وعيت بأن الفضاء ليس ضيقا بقدر ما أنني ممتلئ ب"الأنا" مثلما يقول نيشدا وبوذا معا، والتخلص من هذه الأنا ورغباتها الفانية وحده قد يحررني من الجلوس يوميا في المكان ذاته منتظرا حدوث شيء سريالي وأنا أحدق في نفس الأمكنة الصغيرة والأشياء التي حفظتني أكثر مما حفظتها !

ما الذي يجعل البسطاء وغير المفكرين إذا يمشون؟ فقدان الوزن، تعديل نبض القلب، تقوية العضلات، تحسين التنفس.. كل تلك أشياء ثانوية تأتي مع الأهم على الإطلاق.

الأهم لا يمكن تلخيصه، لكن لكل تجربة مشي طريقة خاصة في التعبير عن ذاتها عقليا، هناك مثلا أهمية اكتشاف الناس، في قرية نواحي مدينة مكناس تمشيت أكثر من خمسة عشر كيلومترا بين الأشجار والضيعات الفلاحية، كان صباح سهرة عرس ورأسي ثقيل ببقايا النبيذ، وفي نهاية المشوار عند بزوغ الشمس اكتشفت بيتا طينيا صغيرا، نساء يخبزن في فران تقليدي، وخراف مبتوثة على جانب واد صغير، شباب يحرثون، طيور فوق أشجار الكاليبتوس العملاقة، كان أهم إفطار حظيت به، تجربة فريدة من نوعها تخللها حديث عن سوء السنة الفلاحية، العجوز بدا نمطيا كأي فلاح من الأطلس، لكنه كان سعيدا حين بادلته المعروف بما تبقى في علبة السجائر، في طريق العودة نمت قرب الوادي إلى الظهر، وحلمت أنني أمشي إلى نهاية العالم.

إلى جانب اكتشاف الناس والفضاء كان الوقت القصير الذي أتمشاه دائما أو أركضه ببطئ مضغا عقليا للماضي والحاضر، ذكريات أشياء وقعت وأشياء تمنيت لو تقع، مواقف مضحكة وأخرى محرجة، جزء من كتاب لم أفهمه في لحظته، وفي المشيء يتبدد سره وينكشف، مشهد سينمائي يخالط الطريق الحقيقي الذي أسير عليه، ذات مرة رأيت كلبا وسط جدول صغير لمياه الصرف الصحي، تقاطع الأمر مع مشهد من "Stalker" لتاركوفسكي، الحياة في المشي إذا تشبه مشي شخصيات الفيلم، بحث عن المعنى..

للمشي تلك القدرة على فصلنا عن العالم المتسارع، إنه شبيه بتوقيف للساعة البيولوجية للزمان، حيث نصير خارج الزمان العام لنفكر في زمننا الخاص، تاريخ تجربتنا العابرة، هذا التخاطر السريع، كما كتب أحد الرحالة المعاصرين، ربما كان هو السبب الأساسي في اكتشاف أندري بروتون André Breton لمفهوم الكتابة الأوتوماتيكية L’écriture automatique كأهم خاصية للاتجاه السريالي في الفن والأدب، ربما كان انسياب الماء في نهر أو انسياب الأفكار متسارعة في ذهن الشاعر الفرنسي الذي عرف بكثرة المشي والتجوال على القدمين وراء تلك التقنية الفريدة.

إن المشي تمرين خلاصي Exercice Salutaire ، خلاص من المدن والمجتمع والزمان المضغوط للحضارة، ربما كان هنري ديفيد تورو أشد من فهم احتياجات الناس البسطاء مثلنا حين رفض النمط الحضاري القائم على تحويل كل ما هو طبيعي إلى ما هو صناعي، لقد دعا إلى عصيان مدني ضد صناعية الحضارة الحالية، بالرغم من بعده الزمني عن القرن الواحد والعشرين، كان ذا نظرة ثاقبة، في رحلاته نحو الغابة، والتي كانت عشوائية دون تخطيط، استطاع تلمس المسار المعدني لحضارة التقنية، التقنية التي حذر هايدغر من أن تصير لها اليد العليا وتحول كياننا أيضا إلى مجرد سايبورغ مفرغين من لذة العيش-هنا، لذلك نظر تورو إلى المشي في الغابات كرمز للمشي الوجودي الذي يصنع ويبتكر دون المساس بقدسية طبيعة العالم.

إن حالة التيه العقلي والتباث الروحي التي يمنحها المشي في القرى وبين الأشجار لا تُضاهى بشيء، حتى وإن كان هذا العالم فارغا من كل دلالة، فقد فكرت يوما: ربما لو كان للعيش دلالة ممنوحة لما استطاع أحد تحمل الأمر، فالفراغ الذي نعيشه روحيا وعقليا هو السبب الوحيد لاستمرار البشر في صناعة السرديات الكبرى والنظريات، والفراغ نفسه هو ما يجعل المشيء أشد أنواع المعنى إلهاء عن الكآبة الأصيلة في الأشياء. 

إنه الفجر سأمشي لأنه آخر شيء تبقى لي يمكن أن أفعله دون أن أشعر بثقل العالم.
reaction:

تعليقات