القائمة الرئيسية

الصفحات

الخطاب السياسي : الديموقراطية وحقوق الإنسان

     

الخطاب السياسي : الديموقراطية وحقوق الإنسان

الخطاب السياسي : الديموقراطية وحقوق الإنسان

المجزوءة الأولى : أنواع الخطاب
للسنة الأولى من سلك البكالوريا؛ الشعب العلمية والتقنية. 


 لا جدال في أنّ المطالبة بالديموقراطية في الوطن العربي آخذة في الاتساع منذ الثمانينيات، وذلك إلى درجة يمكن القول معها إنه الشعار الوحيد الذي يرفع اليوم جهاراً دون أن يشعر رافعوه بالحاجة إلى الدفاع عن مصداقيته ومشروعيته، بل ولا حتى إلى شرح مضامينه. ومع ذلك فإن المرء لا يملك إلا أن يلاحظ أن معظم الذين يرفعون هذا الشعار ويتحمسون إليه لا يصدرون جميعاً عن وعي عميق بضرورة الديموقراطية، ولا بالتضحيات التي لا بد منها لتحقيقها، بقدر ما يصدرون عن رغبات آنية ظرفية لا شيء يضمن استمرارها بعد زوال حوافزها المباشرة، هناك من يطالب بالديموقراطية فقط تحت ضغط الرغبة في التخلص من حكم القبيلة أو الطائفة أو الحزب الوحيد أو حكم العسكر أو الحكم الفردي المستتر وراء الأحزاب الصورية والانتخابات غير الحرة ولا النزيهة، وهناك من يطالب بالديموقراطية فقط لأنه في المعارضة، ولكن دون أن يعني ذلك أنه مستعد لممارستها وهو في الحكم وهناك من يطالب بالديموقراطية وهو لا يفكر إلا في مظهر أو مظهرين من مظاهرها كاحترام حقوق الأقليات أو ضمان الحرية الاقتصادية، وهناك من يطالب بالديموقراطية دون أن يخفي تخوفه من أن تؤدي إلى نجاح تيار يستقطب الآن أغلبية السكان التي هو ليس منها.


وإذن فالديموقراطية ما زالت تحتاج إلى تأسيس في الوعي العربي المعاصر، ما زالت في حاجة إلى جعلها تتحول داخل الوعي العربي من قضية تحيط بها شكوك إلى قناعة لا تتزعزع كقناعة العقل بالضروريات البديهية، فكيف نعمل على تحقيق هذه المهمة الصعبة؟


إن الديموقراطية تقتضي أولا وقبل كل شيء احترام حقوق الإنسان، حقوقه الديموقراطية كحرية التعبير، وحرية إنشاء الجمعيات والأحزاب، وحرية التنقل، والحق في الشغل، وفي المساواة والعدل ودفع الظلم إلخ ... وهذه الحقوق الديموقراطية لا تقبل التأجيل ولا التفويت، وهي سابقة على النظام النيابي ومستقلة عن نزاهة الانتخابات أو عدم نزاهتها وعن فساد الحياة البرلمانية أو عدم فسادها. ومن المؤسف حقا أن يلاحظ المرء سكوت الناس عندنا عن مصادرة هذه الحقوق، حقوق الإنسان والمواطن باسم هذا الشعار أو ذاك أو بسبب الخوف واللامبالاة، مما يعني أن حقوق الإنسان ما زالت هي الأخرى في حاجة إلى تأسيس في الوعي العربي فضلاً عن الحاجة إلى تأصيلها في السلوك الفردي والجماعي وفي التربية والتعليم وفي مرافق الحياة الاجتماعية كافة.




د. محمد عابد الجابري: الديموقراطية وحقوق الإنسان؛ كتاب في جريدة، العدد 29 ص : 8. 5 يوليوز 2009، بيروت لبنان.

reaction:

تعليقات