القائمة الرئيسية

الصفحات

امتحانٌ حَاسِمٌ

امتحانٌ حَاسِمٌ

رَحيم دَودي



كنا نتساءلُ جميعاً عن التزاماتِ "حمّادي" الدّولية، كنتُ أتخيلُ -نتيجةَ كلامه المنفوخِ- أنّ له ملفاتٍ ساخنةً في مجلسِ الأمن الدّولي. ملفاتٌ لا يستطيعُ إيجادَ حلولها إلا وحيد زَمَانه وفريده. وقد يكون هذا التخيُّلُ نِتَاجَ فقرٍ ذهني تاريخيّ كبّلني؛ مُذ نبتُّ، على تخومِ حي شعبيٍّ، في مدينة البيضاء. وتصلُ الغرابةُ جنونها الأقصى حينَ نذكرُ اسمَ مفكّر عربي أو غربي. كان "حمّادي"، حينها، ينطُّ من مكانه كصرصور لمحَ مُؤخرةِ أُنْثَاه، مُقْسِماً، بأغلظِ الأيمان، أنه جَالَسَ هذا المفكّرَ وحاورهُ ووصلَ معه لخلاصات فكريّة ستحدثُ إبدالاتٍ سياسيةً واقتصاديةً وثقافيّةً شاملةً في العالم. 
كنتُ مفتونا بمراقبةِ نظراته إلى طالباتهِ لحظة نفخه في المنفاخ. يستجدي إعجباهنّ ويتأنّق أمامهن كطاووسٍ مغرورٍ معجبٍ بذيله. كنتُ دوماً أشكّ في شيء ما ليسَ طبيعياً في هذا الأستاذ. نوعٌ من الدّود الذي لم يكشفهُ مسبارُ العلمِ بعدُ. فطريقةُ حديثه إلى طالباته ليست كطريقته في الحديث مع طلبته. تراهُ بينهن مائعاً، متمايلاً، مُتشاطحاً يَتَزَأْبَقُ وكأنه مراهقُ نبتَ، تواً، شعرُ عانتهِ. أما حين يحدثنا، نحن طلبته المتخلفون عقليا بتعبيره، فكان يتسامقُ، ويتطاولُ، ويتعالى حتى أخشى أن أفقد مجال رؤيةِ رأسهِ. يوبّخ هذا ويقرّع ذاك، يؤنّب هذا ويهزأ بذاك. والحقيقة أننا كنا خرافاً أمامهُ وأُسُوداً في غيابه. ولست أدري ما سبب هذا النفاق الذي كان ينخرُنا أمامه.

ولكن سرعانَ ما تكشفَ عشُّ الزنابير، فتبدّى جزءٌ من حقيقة الالتزامات الكُبرى. يومَ الامتحان الشفوي خرجت الطالبة "عِيشَه الشّربِيقْ" من الامتحان بوجه محمرّ الخدين، وعينين زائغتين مرتبكتين. كانت "عيشة" ابنة حينا. كلانا ترعرع في الهامش ونتأ وسط المزبلة. نظرت إلى عيشة، فباغتُّها مُستفسراً سبب ارتباكها. فقالت إنّ حمّادي أخبرها بأن عينيها خضراوان كبحيرة "أكَلْمام"، ثم مدّ يده مُتَلَمِّساً أناملها. 
سقط فكّي هذه المرة إلى نواةِ الأرضِ. حككت نخلةَ رأسي، وقلت: "مسخوووط، ألم يسألك عن النظريات والمنهجيات وداكشي". أومأت برأسها دلالةَ النفي. فقلت: "ما النقطة التي حصلت عليها؟". فردتْ خجلى وعيونها راعشةٌ: خمس عشرة نقطةً. نظرنا إلى بعضنا بعض وضحكنا حتى شابَ الشعر والحاجبان. وحينها جاءَ دوري. كنت أمنّي النفس أن يقولَ لي نفسَ كلامه لـ"عيشة" وأن يمنحني خمسة عشر نقطة. لكن هيهات... لا يملكُ البغلُ ما تملكهُ "عيشة". ولجت القاعة مُطأطئاً، منحنيا، محيياً الأستاذَ الذي كان يتشاغلُ عني بتصفح كتابٍ باللغة الألمانية. ثم رفع عينيه الـمتفحصتين والـمتواريتين خلف نظارةٍ طبية ملتمعةٍ، قائلاً بصوت محشرج:

- واشْ ما تَتْزرعُوش السَّلام عليكم في بلادكم. ما فهمتش أنا هاذ قلة الأدب لي فيكم كاملين. تأدبوا ..تأدبوا شويا...راه المعرفة هي الأخلاق. يالله قل لينا شنو عارف على مفهوم المنهج من "سنحاريب الأوّل" إلى يومنا الحاضر.

تفجّرت الأفكار في ذهني إلى ركامٍ فوضوي. بدأت الفوضى تعمّ كل ذهني. تحول إدراكي إلى عماءٍ خاوٍ يشبه حالة الكون قبل وجوده كما تحكي ذلك الأساطير. حاولت استجماعَ الأفكار. عبثا حاولت. كنت أغرق أكثرَ وأكثر. في اللحظة التي كنت سأجيبه بما فاضَ من خوائي ابتدر موبّخاً:

- ما عرفتش أنا نتوما مالكم. لا قراية لا مجي بكري. نِّي بوُطِي ني فُوني طُّو. على الأقل الإنسان غير يتأدب شويا آآآآ... ودابا شنو غادي تبقى تعصّر حديا هنا. قل شي حاجة ولا خرج عليّ. كمّارة ديال الجهل.

ألويت عُنقي. استجمعتُ أنفاسي. أمعنتُ التفكير، فالتمعت في ذهني بارقةُ أمل؛ قد تكون طوقَ نجاةٍ من هذا الكائن المخيف. ثم قلت:

- تختلفُ تعريفات المنهج، يا أستاذي المفضال، فهناك من يرى المنهجَ باعتباره مجموعة خطواتٍ مُنَظِّمَةٍ لتحليل ظاهرة معينة. وهناك من يرى المنهجَ تكبيلاً للعقلِ في مسار تعقُّله الظواهرَ. لكن، أستاذي المفضال، أرى أن كلّ هذه مجرّد تعريفاتٍ نظريةٍ خاويةٍ ومجرّدةٍ لا نفع منها. ولا أرى المنهجَ إلا في أقوالكم وأفعالكم. وأسوق الدّليل: فَيَومَ الندوة بدأت مُداخلتَك برصد المغالطاتِ، وهذا يسمى عند، كلوب يوف، بالــمناورة الدوّارة؛ أي أنْ تناورَ الخصم فتتسبّب بدوران عقله. ثم مررت، بعدَ ذلك، إلى مخادعة الخصم، وهذا يسمى، حسب "مورينهو كُونتي" بــالتوريط التسلُّلي، أي إيهام الخصم بأن هجمته صحيحة، لكنه يُفاجأ بحَكَمِ الشّرط رافعاً رايته. وبعد أن اهتاجَ الخصم قمتَ بوطء قدمه، وهذا يُسمى عند "بيبي غاتوزو"، بـكسرِ المسار التكتيكي، أي جعل الخصم يهتاج ويفقد أعصابه فيسقط في الخطإ القاتل. وفي الأخير بعدَ أن هاجمَ الخصم، متوهماً النصرَ، قمتَ بقضم أذنه، وهذا يُسمى، حسب "رونالدو ميسي"، بمرتدّة النار، أي الضربة القاضية.

كانَ "حمّادي" ينظرُ إليّ نظرةً مبهمةً لا يمكن أنْ تَفهمَ منها شيئاً. خفتُ أن يقلب الطاولة عليّ دون شفقةٍ. بدأ يحركُ رأسهُ كسلحفاة تقيس درجة حرارة البحر استعداداً للسباحة. ثم بشّ في وجهي بابتسامة لم تلبث أن تحوّلت موجةَ ضحكٍ هستيري. بعدَ أن عادت طائرات أسنانه إلى مطاراتها، قال باعتدادٍ ظاهر:

- شوف اسّي "نبيه" أنا ما كيعجبنيش لي كيبقى يحّلل تصرفاتي. ولكن غادي نسامحك هاذ المرّة؛ حيت عندك عين مُحَلِّلَة، وهادشي راجعْ لقوة حضوري المعرفي الذي يؤثر على الإنسان والحجر. نِعْمَ الطالب أنتا. قلي شحال نحطو هنا. كاين مجهود كاين مجهود. شوف أنا غادي نحطّليك 16، ولكن سير كتب هادشي ونشرو في الفيس بوك باش تعم الفائدة. يالله جمع الوقفة وعنداك تقول لــعيشة راني عطيتك 16، يالله تكركب...

لــجّ بي فرحٌ عارمٌ، اندفعت نحو "حمّادي" رغبةً في تقبيل يديه، لـمْ أفهم لـِـَم أردتُ القيام بهذا الفعلِ، كنت أعيدُ الشّكر وهو يحرّك رأسهُ متلذذا بانحنائي وامتداحي له. حملت محفظتي الباليةَ وخرجتُ راكضاً. كانت "عيشة" تنتظرني حُذَاءَ باب الكلية. عندما أدركتها سألتني عن نقطتي. فأخبرتها بالأمر. جحظت عيناها دهشةً واستغراباً. ثم سألت كيف حصل ذلك. فأجبتها، ضاحكاً، كما حصلَ لكِ معه. قال لي: عيناكَ بحيرتان زرقاوان. وعقلكَ مُستقبلُ البلادِ. ضحكنا حتى الثمالة.
 خَاصَرْتُها وذهبنا معاً كحبيبين لن يتزوجا أبداً...

 





تقدّم لكم(ن) مدونة منهجيّتي، في هذا الركن الثقافي والأدبي المتفرّد، باقة متنوعة من قصص وقصص عربية، وأيضاً قصص الاطفال، قصص للأطفال، وهي قصص قصيرة، قصص اطفال، كما أنها قصص واقعية، مثل قصص الحب، قصص حب، وقصص الأميرات، قصص الاميرات، بالإضافة إلى أن هناك عدة قصص اطفال مكتوبة، قصص للاطفال، قصص المكتبة الخضراء، وقصص قبل النوم، قصص اطفال pdf، قصص أطفال pdf، ومجموعة كبيرة جدا من قصص وحكايات : قصص رومانسية، قصص اطفال قبل النوم، قصص الاطفال قبل النوم، قصص للاطفال قبل النوم، قصص حب قصيرة، قصص بالانجليزية، قصص انجليزية، قصص قصيرة للاطفال pdf، قصص للأطفال بالفرنسية، قصص باللغة العربية. 

reaction:

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق
  1. أصبت أيها الألمعي المشاكس .....ههههههه

    ردحذف
  2. لكم الحرف...لكم المعنى...مات الكاتب...

    ردحذف
  3. كما عهدناك ما زلت تركض الخيول. أركض فأنت لها يا رحيم

    ردحذف

إرسال تعليق