القائمة الرئيسية

الصفحات

حدسٌ مُخاتلٌ


| عبد الرّحيم دَودِي |



حدسٌ مُخاتلٌ








كانَ صَبَاحُهُ، ذاكُ الصّباحُ، مُريباً على نحوٍ غريبٍ. صوتٌ أَجشّ يشقُّ الجدار ويصدعُ في وجهه: سيكونُ يومكَ ثقيلاً رصاصيًّا! لم يكترث للصّوت المُباغت. اتجه صوبَ مطبخه وطفقَ يحضّر قهوته بتثاقلٍ بادٍ. فالقهوة، في حُسبان سُلالاته البعيدة، مفتاحُ النّهار. تلك عادةٌ ورثها مُذ نُفِيَ، غَصْباً، إلى جبالِ إيفري القاسية. كانت رائحةُ القهوة وهي تتجعّد، في إناءِ النّحاس، صنو رائحة جيفةٍ مُتفسّخة. لم يستطع تحمّلها. حاولَ مُداراة الرّائحة الزنخة. عبثاً حاول. لكأنّ الشّر- هذا المتوحشُ الموسوم في كُتب السّماء قبحاً وبشاعةً- استحالَ رائحةَ موتٍ وانسربَ في إنائه النّحاس. آهٍ، أيُّ صباحٍ لعينٍ هذا؟ لم يشعر بكيانه إلا حينَ رأى السّائل الأسود يتحدّر من شقوق الحائطِ، بينما يرقدُ الإناء، مبعوجاً، على أرضيّة المطبخِ الباردة. 

بوجعٍ مبهمٍ، اتجهَ صوب الحمامِ ودلق أمعاءهُ المهتاجة. كلّ شيء، في هذا الصباح، يستثير خوفَهُ. رفع وجهه إلى المرآة القديمةِ المثبتة بعشوائيةٍ مُسرفةٍ. بدا له الوجهُ؛ وجههُ، أكثر تغضناً وشحوباً. هل هذا الوجه لي؟ وهل هذه العيون القانيّة لي؟ لا. 
أغلق باب الحمامِ دون أنْ يغسل وجه الغريبِ الذي طالعه في المرآة. ارتدى ملابسه بإهمالٍ. حمل محفظته السّوداء ومضى إلى العملِ. في الطريق انثالت عليه هواجس ملتبسةٌ واعتراهُ الشّكُّ في حقيقة استيقاظه. وليتأكّد من حقيقته؛ حقيقةِ وجوده مستيقظاً، ضرب حِذَاءَهُ مع الرّصيف، أحسّ بالألم: الألم دليلُ وجودٍ. وتساءل، بارتيابٍ مُرجفٍ، ألا نتألمُ حين نحلم؛ حين نهوي في حُفَرِنَا المظلمةِ؟! 


وصل إلى المؤسسة مُبكراً. لقد دَأَبَ مُذْ كان تلميذاً المجيء للمدرسة قبل زملائه ومُعلميه. وبعد أن أصبح مُعلّمًا حفظَ عهد سيرته القديمة. وقف حُذَاءَ باب الإدارةِ يبادل زملاءَ العملِ تحيّةَ الصّباح. بينما كان المُدير والحارسُ العامُ وباقي الموظفين ينظّمون صفوف التلاميذ بلطفٍ واحترامٍ فائقين. أنشد الجميع النشيد الوطني. وفي جوٍّ كئيبٍ دلف المعلّمون والمعلماتُ قاعات الدّرس متبوعين بتلامذتهم. 
حينَ ولج رَحيم قاعة الدّرس، طالعته رائحة القهوة المسمومة مرّة أخرى. كيفَ وصلت رائحتها إلى هُنا؟ هَاجَسَ نَفْسَهُ بصوتٍ مُتَحيِّرِ النّبر. وضع محفظته على المكتب. أخرج القلم الأسود. وكتب التّاريخ على السبّورة: السّبت 15 دجنبر 2018. ثم انتقل لكتابة باقي العناصر. بيْد أنه صُدِمَ. لقد كان الحبر الأسود يهمي على شكلِ دموعٍ سوداء تفوح منها رائحة القهوةِ؛ تلك القهوة. 
مسح الحبر بسرعة وهمّ بكتابة التاريخ من جديدٍ، لكن، في هذه المرّة، أحْجَمَ عن الكتابةِ بعد سماع صوت أحمد ينبس بارتجافٍ: أستاذ، فلنقرأ الفاتحة. تظاهرَ رحيم بعدمِ السّماع. حَسِبَ كلامَ أحمد فلتةَ لسان، أو شَغَبَ صباحٍ من تلميذٍ لطيفٍ. وعاد ليستأنف الكتابة. لكن أحمد عادَ بحدّة وقال: "أستاذ، زكريا مات، خاصْنا نْقْرَاو الفَاتحة عليه". 
استدار رحيم بتوجسٍ وخوفٍ. كانت عيون أحمد مترعةً بالدموع. أجال رحيم بصرهُ على نحوٍ أفقيٍّ متصلٍ. أينما يمّم وجهه كل شيء قابلٌ للبكاءِ. دموعٌ سواجمُ تتصاعد من قلوبٍ مذبوحةٍ وتفيضُ على حوافِ العيونِ المحرورة. بدا له أنه في حلمٍ. ضَرَبَ قدمه مع الحائط فلم يحسّ بالألم هذه المرّة. الألم دليل وجودٍ، وهو لم يتألم؛ إذاً، هو نائمٌ ربّما. حالمٌ بلا شكّ. هكذا أوهم نفسه. اتجه صوب الطاولة الأخيرة. يستقصي صحة الخبر. كل العيون ناطقة، ولغة العيون، هاهنا، أشرسُ وأعتى من لغة اللسان. نظر إلى حمزة، فطأطأ حمزة رأسه، كاشفا، من خلال شاشة هاتفه، صُورةَ أملٍ شُنِقَ قبل أن يستوي. أملٌ يقف مُسربلاً بخُضرةٍ هادئة ويمسكُ بيديّه الجبليتين وردةً حمراءَ تسيلُ حبًّا. 


عادَ رحيمَ إلى المكتب كسيفَ الحال حَسِيرَهُ، تهزه الرجفة تلو الأخرى. تدكُّ أركانه الأحزانُ دكًّا مُتتابعاً، أليماً، مُوجعاً، ومدويًّا. وَارَى دَفْقَ أحزانه عن الناظرين. كنْ صلداً. كل العيونِ مُعلقةٌ به. وعيونهُ مدفونةٌ في داخلٍ مشدوخٍ، مشروخٍ، مُرتجٍ. 
داخلَ مداراتِ الانصعاق، التمعت في ذهنه، بشكلٍ برقيٍّ خاطفٍ، شظيّة أملٍ: هُلامُ حقيقةٍ قصيّة. حاول الإبانة عنها قولاً فلم يتأت رصفُ الحقيقة كلاماً آيلاً للمعنى. سُرق الكلامُ. على السبّورة كانَ الحبرُ الأسود/ الصّمت الباكي/ يتخذُ هيئة جملةٍ بيّنةِ الحدود، مؤدّاها: زكريا قادمٌ، حتماً، بعد قليلٍ سيطرق الباب ويعتذرُ عن تأخره: لا تحزنوا... إنّ زكريا قادمٌ وهو في طريقه إلينا؛ إنه لم يمت، ما دُمنا ننتظرهُ. 





تقدّم لكم(ن) مدونة منهجيّتي، في هذا الركن الثقافي والأدبي المتفرّد، باقة متنوعة من قصص وقصص عربية، وأيضاً قصص الاطفال، قصص للأطفال، وهي قصص قصيرة، قصص اطفال، كما أنها قصص واقعية، مثل قصص الحب، قصص حب، وقصص الأميرات، قصص الاميرات، بالإضافة إلى أن هناك عدة قصص اطفال مكتوبة، قصص للاطفال، قصص المكتبة الخضراء، وقصص قبل النوم، قصص اطفال pdf، قصص أطفال pdf، ومجموعة كبيرة جدا من قصص وحكايات : قصص رومانسية، قصص اطفال قبل النوم، قصص الاطفال قبل النوم، قصص للاطفال قبل النوم، قصص حب قصيرة، قصص بالانجليزية، قصص انجليزية، قصص قصيرة للاطفال pdf، قصص للأطفال بالفرنسية، قصص باللغة العربية. 

reaction:

تعليقات