القائمة الرئيسية

الصفحات

اللص والكلاب | الرؤيتين الفلسفية والفنية



اللص والكلاب | الرؤيتين الفلسفية والفنية

نموذج محلل لمقطع من رواية اللص والكلاب، نجيب محفوظ: الرؤيتين الفلسفية والفنية للرواية

مكوّن المؤلّفات



للسنة الثانية من سلك البكالوريا - شعبة الآداب والعلوم الإنسانية


يقول غالي شكري معلّقاً على رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ:
(... إن سعيد مهران الذي عرف الثقافة عن طريق رؤوف علوان، وعن طريق الثقافة والواقع عرف أن هناك فقراء وأغنياء، وأنّ العلاقة بين الطرفين هي علاقة استغلالية. سعيد مهران هذا لا يمكن أن نسلكه في عداد المجرمين لمجرّد أنه سرق أو قتل، فهو في سرقاته ورصاصاته إنما يصوغ لنا أزمة أكثر شمولاً منه، تستمد قوتها من المناخ العام الذي عاش فيه ابتداءً من رؤوف علوان، المثقف الذي علّمه مبادئ التمرّد ثم خان هذه المبادئ، إلى نور المومس التي أحبّته فلم تخنه لحظة واحدة، بينما كانت هي الإنسان الوحيد من بين الملايين الذي يعرف مكانه دون أن يدري البوليس).
المنتمي (دراسة في أدب نجيب محفوظ)، دار المعارف/ مكتبة الدراسات الأدبية – القاهرة، الطبعة: 2/1969، ص: 267.



انطلق من هذه القولة النقدية، واستحضر ما درسته حول رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ، ثمّ اكتب موضوعاً متكاملاً، تركّز فيه على ما يلي:
-         الرؤيتين الفلسفية والفنيّة للرواية.
-         صراع القيم وتبدّل مواقف بعض الشخصيات الروائية.



التحليل


ظهرت رواية اللص والكلاب خلال ستينيات القرن الماضي (1961 تحديداً) بعد توقّف لصاحبها نجيب محفوظ عن الكتابة لمدة تقارب سبع سنوات خبِر خلالها الكاتب عدداً من التناقضات والأعطاب المختلفة التي عرفها المجتمع المصري والعالم العربي ككل إثر مرور تسع سنوات على ثورة يوليوز 1952. وقد اختطت رواية محفوظ هذه لنفسها مساراً مخالفاً لنهجه السابق مستلهمة في ذلك عددا من المتغيرات الطارئة ضمن هذا الواقع الجديد والمتحوّل.
-         فما هي أبرز الخصائص العامّة للرؤيتين الفلسفية والفنية اللتين تؤطران الرواية؟ وكيف استطاعت أحداثها وشخصياتها المختلفة تصوير مجموعة من القيم المتصارعة والمواقف المتبدّلة في واقع جديد؟



تكشف الرواية، عبر امتداد صفحاتها وتلاحق وقائعها وأحداثها التي اتخذت قالب الرواية البوليسية، عن رؤية مأساوية لبطل مأزوم هو سعيد مهران الذي خرج لتوّه من السجن بعد قضائه لعقوبة حبسية مدتها أربع سنوات بتهمة السرقة التي لا يعتبرها البطل، بإيعاز من أستاذه السابق الصحفي رؤوف علوان وتوجيهه له، مجرد فعل سلبي محدود يهدّد سلامة وطمأنينة الجميع، بل في هي تصوره أكبر من ذلك بكثير قضية إشكالية كبرى ذات أبعاد وامتدادات رمزية مختلفة؛ اقتصادية، وسياسية، واجتماعية... ذلك أنّ الفكرة المحددة للرؤيتين الفلسفية والفنية للرواية ككل تعود بخلفيتها المعرفية والمرجعية إلى قضية شغلت الرأي العام المصري خلال هذه الفترة التاريخية؛ وهي قضية المدعو محمود أمين سليمان التي عمد نجيب محفوظ إلى تحويلها من واقعة فردية معزولة ومحدودة تقتصر على جرم السرقة والرغبة في الانتقام الشخصي إلى قضية عامة تحرص، انطلاقا من شمولية طرحها في الرواية، ومن خلال شخصية سعيد مهران وعلاقته بغيره من الشخصيات الروائية الأخرى، على إثارة ما يتردّى فيه المجتمع من تناقضات ومفارقات سلبية (تفشي القمع ومصادرة الحريات، وتفاقم شرور البيروقراطية، وتزايد أعداد الانتهازيين والمنتفعين من الأوضاع القائمة، وفشل مشاريع الإصلاح المختلفة التي دعت إليها ثورة يوليوز...إلخ). وبذلك استطاع نجيب محفوظ، من حيث اعتماده الرواية الرمزية ذات البناء أو القالب الفني للرواية البوليسية، رصد مجموعة من القيم المتصارعة؛ كقضايا الحرية، والعدالة، والوفاء، والحب...إلخ، فضلاً عن قضية التنظيم والانتماء... إذ تصبح الشخصيات الروائية – بكل وضعياتها المتناقضة ومواقفها المتصارعة والمتبدلة – شواهد ورموزاً لمجموعة من التحولات التي عرفها المجتمع خلال هذه الفترة التاريخية، والتي شملت مستويات شتى: سياسية، واقتصادية، واجتماعية،...إلخ. ومن ثمة يمكن التمييز في هذا الإطار بين تصورات ومواقف روحية ودينية (الشيخ الجنيدي، العم مهران، المريدون...)، وأخرى نفعية مادية أو انتهازية (رؤوف علوان، عليش سدرة، نبوية...)، وثالثة فكرية عبثية يتخبّط أصحابها بين الشك والرفض والقلق (سعيد مهران)... مما يترتّب على ذلك كله عدد من الاصطدامات والتعارضات الحادة؛ فالقيم السلبية سريعة التحول والتقلب، ووضعيات أصحابها من الشخصيات الروائية يغلب على نفوسهم وطباعهم الزيف والانتهازية والخيانة بحيث يتحول الطالب الفقير المتمرد (رؤوف علوان مثلا) إلى صحفي مرتزق يملك فيلا ومجلة تافهة تتابع أخبار النجوم والموضة، ونبوية (الزوجة والأم) لا تجد في أعماق نفسها وازعاً من ضمير يمنعها من الزجّ بزوجها (سعيد مهران) في غياهب السجن والوشاية به للشرطة والمخبرين ليخلو لها الجو كي تسطو على ماله ويتسنى لها الزواج بالتواطؤ مع مساعد زوجها السابق (عليش سدرة)... إلخ.


 أما القيم المخالفة للتي سبق ذكرها فتطبعها الإيجابية ويسمها الثبات؛ إذ يحرص أصحابها على حبّ الغير والوفاء له والمبادرة إلى مدّ يد العون والمساعدة له لإقالته من عثراته حتى وإن كانت ظروفهم وأوضاعهم الصعبة لا تسمح لهم بذلك؛ فالمعلم طرزان يتدبّر للبطل طلباته رغم خوفه من الوقوع في قبضة البوليس ومراقبة المخبرين اللصيقة لقهوته وأنشطته، أما المومس (نور) فتشرع أبواب بيتها له مرحّبة بزيارته لها رغم معرفتها برغبته في الانتقام من غرمائه ومطاردة الشرطة والمخبرين له، وبريق إغراء المكافأة التي رصدتها الشرطة لمن يدلها على أثره ومكان وجوده، وكذلك الأمر نفسه بالنسبة للشيخ علي الجنيدي الذي يحرص على إيوائه في زاويته وتوفير الطعام له، ولا يبخل عليه بحسن المشورة وإسداء النصيحة له رغم أنه لا يجد من مخاطبه (سعيد مهران) أذناً صاغية.


هكذا، استطاعت رواية اللص والكلاب أن تقدّم رؤية فلسفية وفنيّة متكاملة لأزمة المجتمع الشاملة، وأن ترمز من خلال أحداثها وشخصياتها المتفاعلة إلى مجموعة من القيم المتصارعة والمواقف المتبدلة انطلاقاً من البناء أو القالب الفني الذي اعتمدته، والذي هو بالطبع قالب الرواية البوليسية.  

reaction:

تعليقات