القائمة الرئيسية

الصفحات

منهجية المنهج الاجتماعي





منهجية المنهج الاجتماعي





منهجية تحليل نصّ نظري/ نقدي: المنهج الاجتماعي


المرجع: المنهج الاجتماعي، نبيل راغب، (واحة اللغة العربية، ص: 209 )، الثانية باك آداب وعلوم إنسانيّة؛                                                     

إعداد الأستاذ: عبدالرحيم دوْدي


يُعْنى المنهج الاجتماعي بالبحث في العوامل الخارجيّة التي تُحيط بالأدب وتؤثّر فيه، ومحاولة تفسيره في ضوء السياق الاجتماعي والظروف الاقتصادية والسياسيّة. ومن ثم فإنَّ هذا المنهج؛ ينتمي إلى التفسيرات العليّة التي تحاول رد الأدب إلى أصوله. وقد أثارت هذه العلاقة المركبة والمتشابكة بين الأدب وبين الواقع الاجتماعي الكثير من القضايا الفكريّة والفلسفيّة والجمالية التي درست في النقد الأدبي وكذا في علم الاجتماع. وبهذا الاعتبار، فإن المنهج الاجتماعي يبحث، أساساً، عن العلاقات التي تربط الإبداع الأدبي بالشروط الاجتماعيّة المتحكمة في إنتاجه، ومدى تعبيره عن الصراع الدائر في المجتمع.
وقد ظهر هذا المنهج في أوروبا، بداية القرن التاسع عشر، مع مجموعةٍ من النقاد، الذين عملوا على تجاوزِ الأحكام الانطباعيّة والذوقيّة في نَقْدِ الأعمال الأدبية، رغبةً منهم في الارتقاء بالنقد الأدبي إلى مدارج الموضوعيّة العلميّة المجردة من النزعات والأهواء الفرديّة. وتعدُّ الأديبة الفرنسية "مدام دوستايل" أوّل من نبّه إلى ضرورة دراسة الأدب في علاقته بالبنى الاجتماعيّة في كتابها "الأدب في علاقتهِ بالمؤسسات الاجتماعية". بعد ذلك، ستتولى الأعمال النقدية ذات التوجه الاجتماعي، مع ثلة من النقاد الذين اجتهدوا في اجتراح نظريات جديدة تعنى باستكناه الأدب والكشف عن مختلف العلائق التي تربطه بالبني الاجتماعية، ومن هؤلاء النقاد، نجد كلاً من "هيبوليت تين"، "إسكاربيت"، "جورج لوكاتش"، و"لوسيان غولدمان". إنَّ هؤلاء النقاد، قد أثروا المنهج الاجتماعي بتصوراتهم ورؤاهم، والتي وإن اختلفت في التعاطي مع الأدب إلاّ أنها تضافرت في جوهر واحد؛ هو الكشف عن اجتماعيّة الأدب.



وتجدر الإشارة، إلى أنّ المنهج الاجتماعي اِنتقل إلى العالم العربي عن طريقِ المثاقفة والاحتكاك بأعلام النقد الاجتماعي في أوروبا، ومن أعلام النقد الاجتماعي في العالم العربي: "غالي شكري"، "عبد الحميد عقار"، "نجيب العوفي"، "إدريس ناقوري"، والناقد المصري "نبيل راغب" الذي نحن بصدد تحليل نصّه الموسوم بعنوان "المنهج الاجتماعي".
وقد جاء عنوان النص عبارة عن مركبٍ اِسميٍّ يحضنُ كونين دلاليين متواشجين، أولهما المنهج، والمقصود بالمنهج مجموع الخطوات التي يهتدي بها الدارس في دراسته لواقعة معينة. وهذا يعني، أنّ الناقد ينطلق من تصوّرٍ يحتكم للموضوعية العلميّة التي تربأ عن الأهواء والنزعات الشخصية، وهذا ما توضّحهُ اللفظة الثانية في العنوان، والتي توحي إلى أنّ المنهج الذي سيدرسهُ الناقد هو المنهج الاجتماعي. وجماع المعنى، فإنّ العنوان يومئ إلى مرحلةٍ جديدةٍ في النقد الأدبي، تتخذ المجتمع منطلقاً لها في تفسير الأدب. وهذا ما تؤكده الفقرة الأولى من النصّ التي تستعرض السياق التاريخي لظهور المنهج الاجتماعي، وتعزّزه الفقرة الأخيرة التي أفردها الناقد للحديث عن عمليتين عقليتين(الفهم والتفسير) تستند إليهما البنيوية التكوينية في نقدها للنص الأدبي.


وليس خافياً، على كلّ باحثٍ في النقد والأدب، أنّ نبيل راغب، من النقاد العرب، الذين كان ديدنهم البحث في المناهج النقديّة تنظيراً وتطبيقاً. إذ تعدُّ كتاباته، من الكتابات النظريّة التي واكبت النقد الأدبي تقعيداً وتأصيلاً. وقد ألفّ في هذا المجال العديد من الكتبِ نسوق منها على سبيل المثال: "دليل الناقد الأدبي" ثم "موسوعة النظريات الأدبيّة" وهو الكتاب الذي اقتطف منه النص الذي نحن بصدد دراسته.

استناداً إلى كلِّ هذه المعطيات والملاحظات، نفترض بأنّ النص عبارة عن مقالةٍ نظريّة/نقدية سيوضّح فيها الناقد خصائص المنهج الاجتماعي ورواده وأهم الطروحات النقديّة التي اجترحها أعلامُ هذا المنهج النقدي. ومن هنا يمكن أن نتساءل: ما القضيّة النقدية التي يعالجها النص؟ كيف تعامل نقاد المنهج الاجتماعي مع النص الأدبي؟ وما الخصائص المفاهيمية والمنهجية واللغوية التي استند إليها الناقد في بناء نصه؟



يتمحور النص حول قضيّة عامة مؤدّاها: الخصائص المميزة للمنهج الاجتماعي عند لوسيان غولدمان باعتباره رائد الاتجاه البنيوي التوليدي أو ما يسمّى، حسب صلاح فضل، بعلم اِجتماع الإبداع الفني. ويمكن تقسيم النص إلى أربع قضايا فرعيّة. تتحدد أولى هذه القضايا في توضيح الناقد للسياق التاريخي لبروز المنهج الاجتماعي، الذي لم يكن له أن يرى النور، لولا جهود الناقدة الفرنسيّة "مدام دوستايل" خصوصاً في كتابها "الأدب في علاقته بالمؤسسات"، وجهود الناقدين الفرنسيين "دي بونالد" و" هيبوليت تين". أما القضيّة الثانية فتكشف أنّ تبلور النظريّة السوسيولوجيّة في الأدب لم يبلغ أوجه إلاّ باجتهادات "جورج لوكاتش" و"لوسيان غولدمان". بعد ذلك، أفرد الناقد نبيل راغب مساحة نصيّة كبيرة، للقضية الثالثة، ليشرحَ فيها الفرضيات الخمس التي ينهض عليها المنهج البنيوي التكويني عند لوسيان غولدمان، فرضياتٌ دمجت البنيوية والسوسيولوجية في بوتقة نقدية تفسر المضمون الاجتماعي في ضوء الشكل الفنّي، ويمكن جرد هذه الفرضيات فيما يلي:
-              الفرضية الأولى: ترتكز على مفهوم رؤية العالم، والمقصود برؤية العالم مجموع الطموحات والمشاعر التي توحد أعضاء فئة اجتماعيّة. إنها، وبتحديد آخر، نسقٌ من التفكير يفرضُ نفسهُ، في بعض الشروط، على فئة من الناس توجدُ بين أعضائها أوضاع اقتصاديّة واجتماعيّة متشابهة؛
-              الفرضية الثانية: تعتبر البنية العقلية أساس الحياة الإنسانية والاجتماعيّة، وهذه البنية الذهنيّة تشكلُ مقولات دالة تعكس الظواهر الاجتماعيّة؛
-              الفرضيّة الثالثة: هناك تماثل بين بنية وعي المجموعة الاجتماعية وعالم العمل الأدبي؛
-              الفرضيّة الرابعة: إنّ أبنية المقولات التي يدرسها علم الاجتماع الأدبي هي الأبنية التي تمنح الوحدة العضوية والبنيوية للعمل الأدبي؛
-              الفرضيّة الخامسة: ترفض البنيوية التكوينية التفسيرات الفرويدية للعمل الأدبي على أنها كبت مسبق، أو عمليات غير واعية مرضية.
بعد كلِّ هذه الفرضيات انتقل الناقد إلى شرح عمليات دراسة العمل الأدبي من منطلق بنيوي تكويني، فأكد أن هذه الدراسة تتم بالاستناد إلى عمليتين متصاقبتين؛ العمليّة الأولى ترتكز على الفهم؛ بمعنى آخر، فهم العمل الأدبي من خلال الكشف عن بنية دالة متأصّلة فيه، أما العملية الثانية فهي التفسير؛ أي البحث عن العلائق التي تربط البنية الدالة بالنية الشاملة.



وعموما، فإنَّ الملاحَظَ في هذا النص اِتكاؤه على خلفيّة نقديّة، تروم توضيح الطروحات والفرضيات النظريّة التي يستند إليها المنهج البنيوي التكويني في تفسيره للعمل الأدبي. ومن هنا، فهو نصٌ نقديٌّ توصيفيٌّ ينتمي إلى نقدِ النقدِ؛ بتحديدٍ آخر، فإننا هنا بصدد تحليل مقالة نقديّة تشكلُّ خطاباً واصفاً لخطابٍ واصفٍ.

وانسجاماً مع هذه القضايا، فقد وظّف الناقد جهازاً مفاهيميا ثريًّا ودقيقًا يتوزّع بين السجل الاصطلاحي الأدبي وبين السجل الاصطلاحي الاجتماعي؛ ومن المفاهيم الدالة على السجل الاصطلاحي الأول نجد ما يلي(الخيال، الشكل الفني، الخلق الأدبي، العالم التخيلي، العمل الأدبي، قوة الخلق التخييلي، الوحدة العضوية والبنيوية، التلاحم الداخلي للنص...)، في حين تنحصر المفاهيم الدالة على السجل الاجتماعي في العبارات الآتية (المجتمع، النظرية السوسيولوجيّة، علم الاجتماع، المضمون الاجتماعي، الحياة الاجتماعية، ظواهر اجتماعيّة، الواقع الاجتماعي، رؤية العالم...). وهنا، نود أن نشير إلى ملاحظةٍ جوهريّة، وهو أن العلاقة الرابطة بين المجال الأدبي والمجال الاجتماعي هي علاقة ترابطٍ وانعكاسٍ، ذلك أنَّ كلَّ عملٍ أدبي، كيفما كان توجه صاحبه، لا بدّ أن يستبطنَ الرؤى الاجتماعيّة التي تخلّق فيها. وفي ضوءِ هذه الرؤى، يكون معبراً عن الشروط الاجتماعيّة التي أسهمت في إفرازه.


وغيرَ بعيدٍ عن هذا السياقِ، فقد استند الناقد إلى مرجعياتٍ فكريّة وإبستمولوجيّة متصاقبة ومتراكبةٍ، وذلك بغرض استعراض أفكاره النقديّة بشكل علميٍّ وموضوعي؛ ومن هذه المرجعيات نلفي علم الاجتماع الوضعي، الذي يحضر في النص كخلفيّة نظريّة استقى منها نُقّاد المنهج الاجتماعي مفاهيمهم، واجترحوا منها طرق دراستهم للنص الأدبي. كما تحضر في النص خلفيّة نظرية أخرى، وهي علم النفس الفرويدي، الذي انتقده "لوسيان غولدمان" معتبراً أنَّ عملية خلق العمل الأدبي لا ترتكن إلى مكبوتٍ نفسيٍّ يرتبط بالوعي واللاوعي. فضلا عن هذا، فقد اتكأ الناقد على المنهج البنيوي، حين وضّح أنّ المنهج البنيوي التكويني لم يكن منهجاً اجتماعياً صرفاً، بل إنّه دمج بين البنيوية والمنهج الاجتماعي داخل منظومة نقديّة ترُوم فهم النص الأدبي فهماً نسقيّاً ثم ربطه بإطاره السوسيولوجي.


بناءً عليه، فقد اعتمد الناقد على خطة منهجية قائمة على التدرج المنطقي في عرض الأفكار، والتسلسل الدلالي في تركيب المفاهيم. وبهذا، فقد تناسل النص داخل مقدمة وعرضٍ وخاتمة. في المقدمة عرض الناقد السياق التاريخي لبروز المنهج الاجتماعي. أمّا العرض فقد أفرده الناقد للحديث عن الفرضيات التي ارتكن إليها المنهج البنيوي التكويني في دراسته للأدب. بينما الخاتمة فقد خُصِّصتْ لتوضيح ثنائية الفهم والتفسير باعتبارهما عمليتين عقليتين متصاقبتين. وبالتالي؛ فإنَّ هذه الخطة المنهجية، وضعتنا أمام نصٍ يتوالد في أفياءِ الاستدلال الاستنباطي الذي ينطلق من العام إلى الخاص. هذا ناهيك على أنّ الناقد بنى نصّه بلغة تقريرية واصفة تربأ عن الإمتاع البلاغي.


وقد أسهمت آليات البرهنة والتفسير في إضفاء طاقة إقناعيّة على أفكار الناقد، ومن هذه الآليات نسوق ما يلي: التعريف (تعدُّ الأديبة الفرنسية مادام دوستايل أول من نبّه إلى أهميّة العلاقة بين الأدب والمجتمع...)، التفسير (وهذا يعني أن الأبنية العقليّة...ليست ظواهر فرديّة...)، ثم التأكيد (إنّ كلّ دراسة نقديّة يجب أن تبدأ بتشريح العمل الأدبي...). وبالإضافة إلى هذه الآليات، فقد اعتمد الناقد على أدوات الاتساق التي زادت من نصيّة النص وعضدّت أبنيته الداخليّة، ومن هذه الأدوات نجد على سبيل المثال لا الحصر، الإحالة النصية البعديّة الواردة في الملفوظ التالي (في كتابها)، إذ يعود الضمير (ها) على الأديبة مادام دوستايل. ثم هناك أدوات كثيرة للوصل مبثوثة في كل أرجاء النص نورد منها: الوصل الإضافي الوارد في الملفوظ ( ليس شيئا هلاميا أو مجرد لهو أو نزوة منعزلة)، إذ تَمَّ وَصْلُ هذه المتوالية اللسانية بواسطة الأداة (أو). الوصل العكسي (إن الفهم والشرح ليسا عمليتين عقليتين مختلفتين، بل هما عمليّة واحدة ترتبط بزوايا مختلفة للنظر...)، ونلاحظ أن الربط هنا تم بواسطة أداة الاستدراك (بل) التي ربطت بين الملفوظين اللسانيين ربطا عكسياً.




في المحصلة الأخيرة، يمكن القول، بعد مقاربتنا التحليلية لهذا النص، إنه قد مثل خصائص الكتابة المقاليّة النظريّة/ النقدية، وذلك من خلال توصيفه للمنهج الاجتماعي توصفياً نقدياً، يرتكز على آليات نقد النقد، فالناقد عمل جاهداً على توضيح أهمية المنهج الاجتماعي في دراسة الأدب، وخصوصاً المنهج البنيوي التكويني الذي يعدُّ فرعاً من فروع المنهج الاجتماعي. وفي كلّ هذا اِسترشد النّاقد بجهاز مفاهيمي يتأرجح بين الأدب والاجتماع، واهتدى بخطّة منهجيّة تعتمد الاستدلال الاستنباطي المتوالد داخل فقراتٍ متّسقة ومنسجمة، زادتها اللغة التقريرية وضوحاً ودقة.











reaction:

تعليقات