القائمة الرئيسية

الصفحات

منهجيّة تحليل نص شعري: تجديد الرؤيا


منهجيّة تحليل نص شعري: تجديد الرؤيا

منهجيّة تحليل قصيدة شعريّة/ تجديد الرؤيا: النهر والموت، بدر شاكر السياب

السنة الثانية من سلك البكالوريا - شعبة الآداب والعلوم الإنسانية






ليست القصيدة الحداثية مجرّد تمرّد محدود على الأشكال والموضوعات التقليدية في الشعر العربي فقط، وإنّما هي كذلك تعبير مبدع ورؤيا خلاقة مدركة لشرط الوجود الإنساني (فرداً وجماعة)، وتجاوز لكلّ ما هو سطحي وخارجي في هذا الوجود إلى ما هو خفي وعميق منه، مستكنهة بذلك قيم الحق والجمال والحضارة واستشراف المستقبل... التي عني بها الإنسان على امتداد تاريخه الطويل عموماً، والشاعر منه بوجه خاص. ومن ثمة تنفتح هذه القصيدة على مختلف القضايا: الإنسانية، والوطنية، والقومية... ولمّا كان بدر شاكر السياب واحدا من الأصوات الشعرية المعاصرة، ورائداً من رواد حركتها الأساسيين؛ فقد تسنّى له بحكم اطلاعه المتمرس على التراث العربي القديم، وانفتاح أفقه الرحب على الثقافة والشعر الغربيين: إليوت، لوركت، بايرون، شيلي، كيتس...، وكذلك انخراطه المبكر في العمل السياسي، ونضاله ضد السياسة الاستعمارية في المنطقة العربية (القضية الفلسطينية تحديداً)، فضلاً عن يتمه وطفولته القروية العراقية جنوب البصرة (قرية جيكور، نهر بويب...)، ومرضه العضال الذي أودى بحياته في سن مبكرة..أن يبلور رؤيا خاصة به حيال ما يجري من حوله من أحداث جسام وتحولات مفصلية: تاريخية، وسياسية، واجتماعية.
ولعلّ قصيدة النهر والموت التي نحن بصدد دراستها خير نموذج على شعر الرؤيا عند السياب؛ ذلك أن ثنائية النهر والموت توحي بأبرز القضايا التي شغلت الشاعر العربي المعاصر، وهي قضية الموت والانبعاث، خصوصا إذا علمنا أن القصيدة تنتمي إلى أخصب المراحل الشعرية عند السياب، وهي المرحلة التموزية (1956/1960).
إذن، ما هي الأفكار والمعاني التي يتضمنها النص؟ وما هي الحقول الدلالية المهيمنة فيه؟ وما هي خصائصه الفنية؟ وإلى أي حد استطاع الشاعر من خلاله تجديد الرؤيا الشعرية في القصيدة العربية المعاصرة؟



يعمد الشاعر، في بداية النص، وهو يوجه خطابه إلى النهر الصغير بويب في قريته جيكور العراقية، إلى العودة بذاكرته الطفولية إلى الزمن الهارب الذي ولى. غير أن هذه العودة، إذ تعلن عن الانفصال والانقطاع لما يتملكها الضياع، ويتهددها الزوال والفقدان بفعل نضوح عنصر الماء الحيوي وذوبان بلوره الموجع والأليم، تدفع بالذات الشاعرة في حنين متزايد وتعاطف باد وملحوظ لا يخفيان عجزها واستسلامها أمام قوة الزمن العنيفة المدمرة إلى معانقة النهر الحزين بويب، ومن ثمة الكشف تباعا عما في جعبتها الدفينة من أحلام وأمنيات تتفاعل ضمنها براءة الطفولة ودهشتها الأولى ورغبتها القصوى في الانطلاق من دون حدود. وقد جللتها هالة روحية أو دينية تستعيد شعائر وطقوس الحضارات الزراعية القديمة لبلاد الرافدين، مما يمكنها في قوة وصلابة من النفاذ إلى أقاصي ما هو خفي وعميق، والسمو كذلك إلى الأعالي، حتى وإن كانت هذه المغامرة الطفولية تقف بالذات، في سعيها الدؤوب للقبض على الزمن الهارب ولجم قوة حركته المدمرة العنيفة، عند الموت؛ ذلك المصير الحتمي والسر الخفي والعالم الغريب الذي يفتن الصغار.
وبالانتقال إلى المقطع الثاني من النص تعلن الذات عن تحولها إلى زمن آخر جديد هو زمن الحاضر، مع الاستمرار في مخاطبة النهر ذاته (بويب... بويب... عشرون عاما قد مضين كالدهور...) للكشف عما ينتابها من أحاسيس ومشاعر، وتعرف ما يدور في عالمها ومحيطها من هزات وارتجاجات، وما يعدُ بد ذلك كله من إدراك واع بمستلزمات الوجود الحقيقي للإنسان ومعاناته الألم الشديد. غير أنّ استشراف المستقبل الآتي والإيمان بالغد الأفضل يغذّي الذات المتطلعة إلى الكفاح والتحرر والنضال بالإيمان الراسخ بضرورة التضحية من أجل الآخر؛ فالموت في سبيل الجماعة فداء، والانتصار لها بعث وحياة؛ ذلك ما تشهد به نهاية النص الشعري لما تتصل الذات بالنهر وتعلن انتماءها الكلي والمطلق إلى الجماعة (... أود لو غرقت في دمي إلى القرار... لأحمل العبء مع البشر... وأبعث الحياة. إن موتي انتصار !).
وبالنظر إلى المعجم الشعري للنصّ يمكننا القول إنّ ألفاظه وعباراته تتوزع إلى ثلاثة حقول دلالية، كالآتي:
-             المعجم الدال على الطبيعة: البحر، الماء، الغروب، الشجر، المطر، النهر، القمح، الزهور، التلال، القمر، الظلال، الأسماك، الزهر، الحصى، العصافير، الغابة...
-             المعجم الدال على الإنسان: (الفرد): دمي، حنين، نهري، أودّ لو عدت، أشد قبضتي، كأني أجمل النذور، أود لو أظل...
(الجماعة): ينضحهن العالم الحزين، أجراس موتى، المكافحين البشر...
-             المعجم الدال على الزمن: (الماضي): ضاع، عدوت، غرقت، مضين...
(الحاضر والمستقبل): تتضح، يذوب، يدلهم، أود، أشد، تحملان، أحمل، لألمح، يخوض، يملأ، أتبع، أخوض، أسمع، ينام، تطعم...


إذا كان الحقل الأول الذي محوره الطبيعة بمختلف مظاهرها ومكوناتها يغلب عليه الماء، فإنّ ذلك يرمُز لكل خصب وخلق طبيعيين أو كلّ تجدّد تشهده دورة الحياة بكل ما يعنيه ذلك من إيحاءات زمنية ومكانية متواترة تفرضها حركة الطبيعة ذاتها وحيوية عناصرها ومكوناتها المختلفة، وما يرافقه أو يترتب عليه من تبدّل في المشاعر والأحاسيس الإنسانية بدءاً من الحنين والشوق إلى ما مضى، واسترجاع طفولة الذات الشاعرة. كما يتبين من الحقل المعجمي الثاني، وانتهاء بإقرار العزم على النضال ونصرة الجماعة، ومواجهة كل ما تجده في طريق تحررها من ظلم وخيبة وانكسار، وهو ما يلزم هذه الذات الفردية، المتوحدة بجماعتها والملتزمة بقضاياها ومصيرها، التحول عن ماضيها، كما يتبين من خلال الحقل المعجمي الثالث، إلى الارتباط بالحاضر وتعرف همومه وهواجسه لاستشراف المستقبل الآتي حتى تتمكن الذات من بعثها المنشود، وتحقق للحياة ما تستحقه من انتصار وفرح مهما بذلت في ذلك من تضحيات جسام، ومن ثمة يتّضح لنا من خلال العلاقة القائمة بين مكونات المعجم الشعري وتفاعل حقوله الدلالية الثلاث (الطبيعة، والإنسان، والزمن) على مستوى توظيف الشاعر بدر شاكر السياب لها، والطريقة التي تمّ بها عرض الرؤيا الشعرية الخاصة في النص، وما يتّصل بها من علاقات وامتدادات في الواقع، أنها تخالف مألوف الشعر الوجداني حيث الذات الرومانسية منهزمة أو سلبية في الغالب الأعمّ، منكفئة حول نفسها، تجترّ همومها الصغيرة، وتنظر إلى ما ومن حولها نظرة سوداوية بالغة الإحباط.
وإذا ما انتقلنا إلى الجانب الفني في النص الشعري، وأمعنا النظر في أهمّ خصائصه الأسلوبية والتخييلية والإيقاعية، للفت انتباهنا مزاوجة الشاعر بين البعدين: السردي والغنائي؛ من حيث التقاطه لعدد من الإشارات والتفاصيل الصغرى التي يمتحها السياب من معين ذاكرته الشخصية، وكذلك حرصه على استرجاع بعض الأحداث والوقائع التي حفلت بها سيرته الطفولية القروية، وهو ما يبرر توظيفه لمجموعة من الجمل الفعلية المتضافرة على امتداد النص وتتابع أسطره الشعرية (ضاع، تنضح، يذوب، فيدلهم، أشد، تحملان، أحمل...). وإذا كانت الذات الفاعلة هي نفسها في كثير مما تحيل عليه الأفعال النحوية، فإنّ الزمن الذي تتأطّر ضمنه حركتها وحيّز اشتغالها يراوح – في معظمه – بين الماضي الطفولي للشاعر/ السارد حيث الذات منفصلة عن النهر بُويب الذي تخاطبه (في المقطع الأول تحديداً)، وزمن الوجود في الحاضر والآتي، حيث تتطلع إلى المستقبل. وبذلك تتمكن هذه الذات من الاتصال بمخاطبها، ويتسنى لها مشاركة الجماعة كفاحها ويقينها بالتضحية والخلاص، وتحقيق البعث المنشود. ولما كانت هذه الأفعال والجمل الفعلية ككل دليل حيوية الذات وعنوان حركتها الدؤوبة وسعيها الحثيث إلى معانقة الحياة والانتصار لها، فإنّ الجمل الإسمية تترجم هذه القناعة الذاتية وتكرّس قوتها وثباتها في نهاية هذا المسار الشاق (إنّ موتي انتصار...).


ولما كان بمقدور الجمل الخبرية – على المستوى البلاغي والفني -  أن تتبع حركة الذات الدؤوبة، وتنقل أطوارا من رحلتها الحثيثة لالتماس دفء الجماعة وكفاحها وحرصها المستميت على البعث المنشود والانتصار للحياة (... فيدلهم في دمي حنين...إلخ)، فإنّ الجمل الإنشائية خير ما يترجم انفعالات هذه الذات للمتلقي، ويكشف له عن متمنياتها وهواجسها وأحلامها.
وإذا كانت الصورة الشعرية قد اتسمت مكوناتها بالتنوع والتجديد الفنيين، ذلك أن السياب انطلق في ذلك من مرجعيات حضارية زراعية قديمة ومحددة تخص العراق والبلاد العربية ككل (بلاد الرافدين، بلاد الشام...)، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق منها بأساطير التضحية والفداء وطقوسهما وشعائرهما المهيبة التي تنشد البعث والتجديد (تموز، عشتار، أدونيس، المسيح...)، فإنّ الإيقاع بدوره قد اتخذ المسار نفسه بحيث انصرف السياب إلى تفعيلة (مستفعلن) من بحر الرجز، بكل التحويرات الممكنة التي طرأت عليها في النص الشعري (زحافات وعلل مختلفة)، وتكسير لنظام الوقفتين العروضية والدلالية، وغيرها من ضروب التدوير والجريان أو التدفّق الإيقاعي، حتى يحقق بذلك للنص الشعري التناغم والوحدة الموسيقيين المطلوبين، فضلا عن تنويع نظام وحروف القافية والروي – خلافا لوحدتهما الصارمة والمعهودة في القصيدة التقليدية – مع غلبة ملحوظة لحرف الراء والقافية المقيّدة، كما هو الحال في الأمثلة التالية: (بحر، الشجر، المطر/ أنين، حنين/ الظلام، عام/ النذور، الزهور...). أما على مستوى الإيقاع الداخلي ومظاهره المتعددة في النص الشعري فيجدر بنا الإشارة إلى بعض الأساليب الإنشائية التي يتولّد عنها؛ كالتمني والرجاء، والاستفهام، والتعجب، وكذلك المدود الصوتية (التلال، الظلال، السلال، الماء، الأسماك، القرار، النذور، الدموع...)، فضلاً عن التكرار والتوازي اللذين نجمل صيغهما المتعدد فيما يلي:
-             تكرار الحروف والأصوات: الباء، الراء، الميم...
-             تكرار الألفاظ والكلمات: أود، بويب، المطر، القمر، النهر، الشجر، دمي...
-             تكرار العبارات والجمل: ويتخذ هذا النوع من التكرار الصيغة أو اللازمة حينا، من مثل: بويب.. يا بويب (س: 7/35..)، أو طابع الخطاطة  اللغوية المتكررة على نحو متواز كليا أو جزئيا حيناً آخر، من مثل: يزرع الظلال/ يملأ السلال (س: 17/18).


هكذا يعمل بدر شاكر السياب – من خلال ما تقدم ذكره – إلى تكسير البنية التقليدية للشعر العربي القديم، والخروج بذلك عن إسار عمود الشعر وسلطته الصارمة، وهي مغامرة إبداعية غير مسبوقة استدعتها الرؤيا الجديدة والمتجددة التي بات يعلن عنها الشعر العربي المعاصر بوجه عام انطلاقا من خمسينيات القرن الماضي، والتجربة السيابية منها بوجه خاص، ومنها نصه الشعري هذا الذي عنوانه النهر والموت، والذي يكشف من خلال الشكل الحديث للقصيدة العربية وطاقتها الجمالية والتعبيرية المشعة عن رؤيا خاصة يتفاعل ضمنها ما هو فردي بما هو جماعي وإنساني وحضاري، من خلال تجربة الموت الذي هو دليل التضحية والفداء، وعنصر الماء رمز الخصب والتجدد وانتصار الحياة، خاصة حين تتحد الذات الفردية وقوة إرادة الإنسان بالجماعة، وتعلن عن انتمائها الفعلي والكلي لها.




وخلاصة القول، إن الشاعر باعتماده – في المستوى الإيقاعي – نظام التفعيلة، وتنويع حروف القافية والروي، وتكسير صرامة الوقفة العروضية، وغيرها من ثوابت البنية التقليدية للقصيدة العمودية الأخرى..، وبحرصه على التزام الوحدتين الموضوعية والعضوية، وكثافة اللغة وإيحاءاتها الفنية والتعبيرية التي تكشف عن موضوعات جديدة غير مطروقة من قبل، تتفاعل ضمنها مستويات ومرجعيات متشابكة ومركّبة (ذاتية/ موضوعية... الماضي/ الحاضر والمستقبل...)، وكذلك باعتماده مجموعة من الصور الفنية المبتكرة والمتسلسلة على نحو مترابط وعفوي، بحيث تتجاوز في ذلك سلطة الصور البلاغية المعيارية ووظيفتها التزيينية التقليدية المحدودة، لتكشف عن طاقة التخييل بكل رحابتها الإيحائية والتعبيرية باعتماده الرمز والأسطورة. نقول إن الشاعر باعتماده كلّ هذا قد عبّر عن رؤيا شعرية جديدة تنطلق من الماضي لتستشرف الحاضر والمستقبل ومن الموت تضحية وفداء من أجل البعث والحياة، ومن الذات الفردية إلى معانقة حلم الجماعة وتطلعاتها القومية والإنسانية.   



reaction:

تعليقات