القائمة الرئيسية

الصفحات

منهجيّة تحليل قصيدة شعريّة: تكسير البنية


منهجيّة تحليل قصيدة شعريّة: تكسير البنية





منهجيّة تحليل قصيدة شعريّة/ تكسير البنية

إنجازُ الأستاذ: عبد الرّحيم دَوْدِي   
                                                        

     المرجع: رسالة إلى مدينة مجهولة، لعبد المعطي حجازي (واحة اللغة العربية، ص96)؛


للسنة الثانية من سلك الباكلوريا – مسلك الآداب والعلوم الإنسانية



قدّم الشعر الحديث، من خلال رؤيتهِ الجديدة للمنجر الشعري، بدائلَ تعبيرية بالغة الجدة والفرادة، تجاوزت المنظور الشعري القديم الذي قدّس النظام العمودي وجعلهُ القالب الأمثل لصياغة الفيض الشعري والاختلاجات الوجدانيّة.
ومن هنا، فقد شكّل هذا الإبدال الشعري نقطةً مفصليّةٍ في تاريخ الأدب العربي الحديث، إذ تمكنت القصيدة ارتيادَ عوالم إبداعية بالغة الاتساع، فتكسرت القصيدة القديمة بمواضعاتها المجحفة، وصار بإمكان الشاعر الحديث التعبيرُ عن الواقع المشروخِ الرّازح تحت انهمارات المآسي والحروب.


ومن الشعراء الذين حملوا همَّ هذا التغيير، وتجشموا مهمة البحث عن أنموذج شعريّ طيّع يستوعب كوامن الشعور وبواطن النفس، ويُمَكِّنُ الذات الشاعرة من رأب الصدع الحاصل في الواقع نجدُ على سبيل المثال: نازك الملائكة، بدر شاكر السياب، أدونيس، وعبد المعطي حجازي الذي نحن بصدد دراسة قصيدته "رسالةٌ إلى مدينةٍ مجهولة".
 يضعنا عنوان القصيدة أمام قيمٍ دلاليّة طارئة؛ فالشاعرُ يتوجهُ برسالةٍ إلى مدينة مجهولةٍ.  إنّ الأمر يتعلّق بأفقٍ رمزي يرسمُ فيه الشاعر صورةً قاتمة للمدينة العربيّة، فهي مدينةٌ غريبةٌ، موحشة، لا قلب لها. ويمكن، بضربٍ من الافتراض الاستشرافي، أن نقول؛ إنّ الشاعر بصدد رتق جروح المدينة العربية التي فقدت ألق حضارتها الأثيلة وتزيت برداءٍ فضفاضٍ لا يُناسبها على حدّ تعبير أحمد المجاطي.

تبعاً لذلك، فقد نظم الشّاعر قصيدتهُ وفق نظامِ الأسطر الشعريّة المتناسلة داخل مقاطع محدّدة. أسطرٌ شعريّة تم توزيعها على امتداد القصيدة بطريقة مبعثرة؛ يتذابحُ فيها اللون الأسود بالأبيض ضمن ما يمكن تسميته، في كاليغرافيا القصيدة الحديثة، بلعبة البياض والسواد، إذ تمتدُّ بعض الأسطر الشعرية لتشمل تسع تفعيلات وتقصر أحياناً لتشمل تفعلية واحدة، ولهذا الاختيار الفني، الناسف لصنميّة الشطرين، ما يبرّره فالمضمون الشعري خاضعٌ للدفقة الشعوريّة الباطنية لا لإرغا مات خارجيّة.

استناداً إلى هذه الملاحظات، نفترض أنّ النص عبارة عن قصيدة شعريّة تنتمي لتكسير البنية، إلاّ أن قولنا بأنها تكسر البنية لا يعني أنها لا تحمل في أعطافها تجديداً لرؤيا الشعر العربي. بل إنها، أساساً، تشي بتصورٍ يتكامل فيه التجديد الشكلي بالاجتراح الفكري، وما الفصل بين التجربتين إلا فصلٌ إجرائيٌّ الغايةُ منه الوقوف عند الخصائص الشكلية للقصيدة الحديثة. وبالتالي يمكن أن نتساءل: كيف مثلت قصيدة "رسالة إلى مدينة مجهولة" اتجاه تكسير البنية؟ وما خصائصها المضمونية والمعجميّة والفنيّة؟




تنشدُّ مضامين القصيدة إلى بؤرة دلاليّة مركزية تتراءى في وصف الشاعر لمعالم المدينة العربية التي تُشعرهُ بالاغتراب، مبدياً طبيعة اغترابه في عالم ضاجٍ بالمناحات والأوجاع التي لم يجد بداً خلا معاقرتها، معرباً عن حنينه المحموم إلى عالمٍ مثاليٍّ مفقود. ويمكن تقسيم هذه البؤرة الدلاليّة المركزية إلى خمس وحداتٍ دلاليّة جزئية، تستأثر كل وحدةٍ بمقطع مخصوص بيد أنها تتواشج عضوياً مع باقي الوحداتِ ضمن ما يمكن تسميتهُ بالوحدةِ الموضوعيّة: الوحدة الأولى يعبّرُ فيها الشاعر عن رسالتهِ الحزينة التي يود إرسالها إلى أبيه الفقيد. بينما خصّص الوحدة الثانية ليفصح فيها عن كمده وحسرته في مدينة صماء، دائمة القيظ، حارقة، وموحشة. وتكشف الوحدة الثالثة عن ذاكرة الشاعر المنصعقة بصور الزمن القديم، زمن الطفولة، أيام كان ينعم بدفء الأبوة الغامر. في حين تشي الوحدة الرابعة بقصة حبٍّ كسيحٍ في زمن مخصيّ. ليختتم الشاعر القصيدة في الوحدة الخامسة متعلقاً بأمل رؤية أبيه في المنام.




والحاصل أن مضمون القصيدة، جاء مترعاً بقيم الغربة والضياع، فالشاعر ثملٌ بالحزن. مثخنٌ بطعنات الغربة الني نكتت تضاريس روحه، ودكت أركانه، إنه يتيمٌ في مدينة مخنوقة، مشنوقة، عارية، صماء، لا رادع لجفائها ولا ضابط لجنونها المسعور، إنها مدينة بلا قلب، بلا عاطفة، بلا أصالة؛ مدينة كلُّ ما فيها يدعو للنحيب والرثاء. وبالتالي يكون شاعرنا قد انزاح عن تقليد الشعراء القدماء كما فعل الإحيائيون، وربأ بنفسه عن الانغماس في الذات على غرار الرومانسيين، ناحتاً لنفسهِ سمتاً جديداً في البوح الشعري.

وتماشيا مع هذا المضمون، المسجور بالتمزق والضياع، وظف الشاعرُ حقلاً معجمياً ينوس بين الاغتراب والحنين، ومن الألفاظ والعبارات الدالة على حقل الاغتراب نلفي ما يلي: مدينة مجهولة، مجهولة السبيل، مجهولة العنوان والدليل، مدينة الموتى، مدينة من الزجاج والحجر، غفوة الغريب لا تطول، طردت مرةً. في حين تتبدى الألفاظ والعبارات الدالة على الحنين فيما يلي: أبي، إليك حيث كنت، هب لي لقاءً في المنام، انهمرت دموعهم، أجهش الطريق بالبكاء، ما مر يوم بدون ذكرى، أخضل مبكاهم.


إن المتأمل في هذه البنية المعجمية، يجدها مشربةً بحمم نفسية حارقة، تتصاعدُ من أغوار الشاعر المتلظية، لتنسكب على فوهة روحه طافحة بالاغتراب الوجوديّ والحنين الحالم. إنّنا، أمام معجمٍ مغايرٍ لما كانَ ذائعاً في أشعار الإحيائيين والرومانسيين، معجمٌ منبعهُ الانكسار الواقعيّ والتشقق الوجودي. فضلاً عن ذلك فإنّه معجم سلسٌ، سهل، بَينٌ يركن إلى اللغة المتداولة، لكنها رغم بساطتها تستبطن شحناتٍ دلالية تستدعي التأمل الحصيف لفك مغاليقها، وهذا ملمحٌ من ملامحِ تكسير البنية.
طبقا لما سبق، فقد انتظمت الصور في هذه القصيدة وفق مدماكين رئيسين هما الإضاءة والعتمة، إذ تناسلت كل الاستعارات والمجازات داخل هذه الثنائية المتجاذبة، ففي المقطع الثاني مثلاً؛ وظف الشاعر استعارةً تنزُّ سواداً، جعل فيها الظلام يقاربُ خطوات الناس في مدينة تجهش باكيّةً، أما الشمس فقد تخلت عن رفعتها وشموخها وانحنت كسيفة على قبور مهجورة. بينما يترقرق المقطع الثالث نوراً، ويفيض ومضاً معمياً، فالوجهُ يفرش الرضى على العناء، والأحزان تنقشعُ كما السحاب. بالإضافة إلى ذلك، فقد شحن الشاعر قصيدته بالكثير من الرموز، نسوق منها على سبيل المثال لا الحصر: الشراع وهو رمز الانعتاق والحرية، والشمس وهي رمز الأمل والتفاؤل، الحجر وهو رمز الجفاء والتصلب الروحي.


من كلّ هذا، نستشف أن الشاعر قد وظف بنية بلاغيّة خرقت المألوف التصويري، إذ عمد إلى تكثيف صوره بشكل تشكيلي ينسف التخوم المتواضع عليها، ويشيّد توجها تصويرياً ذا طابع انزياحي، ثم إنه يلجأ إلى الرمز ليفجر لغته على عوالم دلاليّة مترامية، وهذه سمة من سمات تكسير البنية في القصيدة الحديثة.

أما من الناحية الإيقاعية، فقد نظم الشاعر قصيدته على وحدة التفعيلة (مستفعلن) والتي تم توزيعها على جسد القصيدة حسب الدفقة الشعورية، مراعياً بذلك الوقفة العروضية ومتجاوزاً الوقفة الدلالية، وهذا يتراءى في المقطع الأوّل إذ راعى الشاعر الوقفة العروضية عند نهاية كلّ سطر دون أن تكتمل المعاني الممتدّة من السطر الأول إلى السطر السادس. هذا فضلاً عن تنويعه للأرواء والقوافي.


هذا من جهة الإيقاع الخارجي، أما فيما يخص جهة الإيقاع الداخلي؛ فقد استخدم الشاعر إيقاعاً خارجياً ينهض على التوازي، ومن تجليات ذلك؛ المشابهة بين الوحدات المعجميّة على مستوى مجموعة من الأسطر (إليك في مدينة مجهولة/ مجهولة العنوان والدليل. أقول يا أبي شكراً/ أقول يا أبي عذراً). مع توظيفه أيضاً لمجموعة من التكرارات كتكرار الحروف (السين، الصاد) وتكرار الكلمات (أبي/ إليك/ مدينة/ مجهولة) ثم تكرار بعض الصيغ الصرفية (مجهولة السبيل/ مجهولة العنوان/ مجهولة/ مجهولة الدليل). وعموما، فإن التوازي والتكرار يعدّان من أهم عناصر البناء الشعري، لما لهما من وظيفة جماليّة تمنح النص طاقة إيقاعيّة من شأنها تقوية دلالة النص وإكسابه انسجاماً.


ونؤكدّ، هنا، أنّ الشاعر نسف البنية العروضية الخليلية محيلاً إياها إلى ركامٍ متنافرٍ من الجزئيات الإيقاعية التي تبدو، للوهلة الأولى، فوضى عارمة، بيْد أنها ليست فوضى، بل إنها تنظيمٌ جديدٌ لوحدات الإيقاع، تنظيم نابعٌ من داخل الشاعر لا من خارجه، وبهذا نكونُ أمام قصيدةٍ تسعفُ الدفق الشعوري الباطني، وتتركب وفق منطقٍ جديد في الرصف والتنضيد والسبك. إنها قصيدة التفعيلة الواحدة لا البحر، تفعيلة لا تأبه لضوابط العروض ولا لمستندات وحدة القافية والروي. وبالتالي نقرُّ بأن قصيدة  "رسالةٌ إلى مدينة مجهولة" قصيدة تكسر البنية الشعرية القديمة.


وليس يخفى على ذي ذوق أدبيّ، النَّفسُ السرديُّ المهيمنُ على القصيدة والذي حرك وحدات القصيدة وكساها ببعدٍ دراميّ، فهي تتحركُ داخل فضاءٍ شعريٍّ قوامهُ السرد المشبع مجازاً ويتجسدُ حضور السرد في الأسطر التالية: (كان أن عبرت في صبا البحور، وفي السماء قارب الظلام بين خطونا، رأيتهم يحترقون في اللهيب والغبار...)، وعلاوة على السرد فقد دعّم الشاعر قصيدته بتقنيتي الوصف والحوار.
       ثمّ إنّه لجأ إلى توظيف مجمُوعة من الأساليب الخبرية (رسوتُ في مدينة من الزجاج، رأيتهم يحترقون وحدهم في الشارع الطويل...)، مع تنويعه في الأساليب الإنشائية من أمر حقيقي واستلزاميٍّ ثم نداء. ويحضر الأمر في القصيدة من خلال مجموعةٍ من الملفوظات: (هب لي لقاء في المنام/ اقرا رسالتي...)، وهو أمرٌ غير حقيقي لأنه ليس حرفيّ الدلالة، فهو هنا يحيل إلى التمني. بينما نجد النداء حاضرا في الملفوظات التالية (يا غارقاً في الصمت، يا مكفنا...).


وخلاصة القول، إن الشاعر حَادَ عن البينة الأسلوبية التي درج عليها الإحيائيون ووقر عليها الرومانسيون، واجترح أسلوباً جديداً في الصوغ الشعري، أسلوبٌ عمادُه السرد الدرامي، وهذا مؤشر على تكسير بنية القصيدة القديمة.

وهنا، نود أن نشير إلى أن القصيدة قد تناسلت في رحم بنية مكثفة، تتحدد في مرسلٍ هو الشاعر ومرسل إليه هو أب الشاعر الغائب، ورسالة معبّرة عن موقفٍ انفعاليٍّ تجاه المدينة وفق بناءٍ حافظ على وحدة الموضوع لكن على مستوى البنية الدلالية جسد انفصالاً بين الشاعر وبين مدينتهِ، هذا الانفصال حدا بالشاعر إلى التشبث بالأمل والتفاؤل متمنياً اضمحلال هذا الاغتراب الثقيل.

وفي المحصلة الأخير، نؤكد أن قصيدة "رسالة إلى مدينة مجهولة" قد حفلت بمضامين الغربة والضياع، وجسّد معجمها بسهولته اللغوية واحتقانه الرمزي قيم الاغتراب والحنين، بينمَا رسمت صورها الشعرية عالماً تخييليّاً فريداً ينتصب على الانزياح والرمز، ويتواشج مع إيقاعٍ نسف المواضعات الإيقاعية البائدة، واجترح أنموذجا موسيقياً جديداً. من كلّ هذا وذاك، نستشف أن القصيدة تنتمي إلى تكسير البنية وتحملُ في أعطافها رؤياً جديدةً.





reaction:

تعليقات